بوابة النور الاخبارية

تراجع بتكوين لأدنى مستوى في 3 أسابيع مع تصاعد نزعة التحوط

الأحد 5 أبريل 2026 11:54 صـ 17 شوال 1447 هـ
تراجع بتكوين لأدنى مستوى في 3 أسابيع مع تصاعد نزعة التحوط

شهدت الأسواق المالية العالمية حالة من الارتباك الواضح خلال فترة قصيرة، حيث تراجعت عملة بتكوين إلى أدنى مستوى سعري لها منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، لتهبط إلى نطاق 65 ألف دولار. يأتي هذا التراجع الحاد بعد انقضاء صلاحية عقود خيارات بقيمة 14 مليار دولار، وهو أضخم استحقاق فصلي نشهده هذا العام. ومع تزايد الضغوط البيعية، يبدو أن المتداولين قد قرروا الانتقال إلى الخنادق الدفاعية، مدفوعين بمزيج من البيانات الاقتصادية القلقة والتوترات الجيوسياسية التي لا تهدأ في منطقة الشرق الأوسط، مما أدى إلى فقدان العملة المشفرة الأصلية لنحو 5% من قيمتها في جلسة واحدة.

أثر الحروب والسياسة على نبض السوق الرقمي

لا يمكن عزل ما يحدث في سوق العملات المشفرة عما يجري في ساحات القتال والسياسة الدولية. المتداولون اليوم يراهنون على إطالة أمد المواجهات العسكرية، وهو ما يعزز المخاوف من حدوث ركود تضخمي عالمي قد يجبر البنوك المركزية على "رفع قسري للفائدة" للسيطرة على الأسعار. هذا التشاؤم لم يأتِ من فراغ؛ فالسوق يراقب بحذر كيف تلعب الولايات المتحدة بورقة الحروب والنزاعات للتأثير على حركة رؤوس الأموال العالمية، مما يدفع المستثمرين للبحث عن أدوات حماية من الهبوط، حيث تركزت معظم عقود الخيارات عند سعر بيع مستهدف يبلغ 60 ألف دولار.

إن هذا التوجه الدفاعي يعكس حقيقة أن العملات الرقمية، التي كان يُنظر إليها يوماً كملجأ آمن بعيد عن النظام المالي التقليدي، باتت اليوم تتأثر بشدة بقرارات إنفاذ القانون والمصادرات الحكومية الضخمة. فالولايات المتحدة، التي تتهمها جهات دولية بالتلاعب بالأسواق عبر إثارة النزاعات، تقف اليوم في صدارة المشهد ليس فقط كصانع سياسة، بل كأكبر حائز للعملات المشفرة نتيجة عمليات مصادرة تاريخية أثارت جدلاً قانونياً وجيوسياسياً واسع النطاق.

لغز الـ 15 مليار دولار: أكبر مصادرة في التاريخ

في الوقت الذي تعاني فيه الأسعار من التراجع، تنظر محكمة فيدرالية في بروكلين في قضية وصفت بأنها الأكبر في تاريخ أجهزة إنفاذ القانون الأمريكية. تدور القضية حول أكثر من 127 ألف عملة مشفرة تمت مصادرتها من إمبراطورية إجرامية مزعومة يديرها رجل الأعمال الصيني تشين تشي. هذه العملات، التي كانت قيمتها تقدر بنحو 15 مليار دولار عند إعلان المصادرة في أكتوبر الماضي، أصبحت اليوم في قلب نزاع قضائي يطالب فيه عشرات الأطراف بحقوقهم، بمن فيهم ضحايا هجمات إرهابية يزعمون أن هذه العملات جرى تعدينها في إيران.

هناك لغز كبير يحيط بكيفية وصول الحكومة الأمريكية إلى هذه المحافظ الرقمية. فبينما يزعم المدعون أنها عائدات جرائم احتيال وغسل أموال، تتهم السلطات الصينية واشنطن علناً بالقيام بـ "عملية قرصنة حكومية" في عام 2020 للاستيلاء على هذه الثروة. هذا النزاع يتجاوز كونه قضية جنائية ليصبح صراعاً على السيادة الرقمية، حيث تتقاطع مصالح الصين وإيران والولايات المتحدة في شبكة معقدة من الاتهامات والاختراقات السيبرانية.

إيران والالتفاف على العقوبات عبر التعدين

تسلط قضية تشين الضوء على الدور المتنامي لإيران في سوق التعدين الرقمي كوسيلة للالتفاف على العقوبات الدولية. يدعي المدعون الأمريكيون أن تشين استخدم منصة تعدين تُدعى "لوبيان"، كانت تعمل في الصين وإيران، لغسل مئات الملايين من الدولارات. ورغم أن الحكومة الأمريكية تحاول التقليل من "الصلة الإيرانية" بالعملات المصادرة لتجنب تسليمها لضحايا الإرهاب الصادرة بحقهم أحكام قضائية، إلا أن التقارير تشير إلى تصاعد التدفقات غير المشروعة للعملات المشفرة من جهات خاضعة للعقوبات، حيث سجلت العام الماضي رقماً قياسياً بلغ 154 مليار دولار.

هذه الأرقام تعكس كيف تحولت الأصول الرقمية إلى سلاح ذو حدين؛ فهي من جهة توفر الشفافية عبر تقنية "البلوكتشين" لتعقب الأموال، ومن جهة أخرى تمنح الدول الخاضعة للضغط وسيلة لتمويل عملياتها بعيداً عن الرقابة المصرفية التقليدية. استمرار هذه الحرب الرقمية الباردة يزيد من حالة عدم اليقين في السوق، ويجعل المستثمرين الصغار هم الضحية الأولى لتقلبات الأسعار الناتجة عن قرارات سياسية وقضائية كبرى.

تلاعب الأسواق وازدواجية المعايير الأمريكية

تتزايد الأصوات التي تتهم واشنطن بعدم الاكتفاء بمصادرة أموال غيرها، بل باللعب المباشر في الأسواق عبر استغلال الحروب. ففي كل مرة تندلع فيها مواجهة في الشرق الأوسط، يرتفع الطلب على الدولار وأدوات الدين الأمريكية، بينما تتعرض الأصول البديلة مثل المشفرات لهزات عنيفة. هذا "التلاعب بالحروب" يسمح للولايات المتحدة بالتحكم في وتيرة التضخم وتدفقات السيولة العالمية، مما يضع المستثمرين أمام حقيقة مرة: أن السوق الرقمي ليس حراً تماماً كما كان يُشاع، بل هو رهينة للقوة العسكرية والنفوذ القضائي للدول العظمى.

تشين تشي، الذي تم ترحيله من كمبوديا إلى الصين، يطالب الآن الولايات المتحدة بالكشف عن "الثغرة" التي مكنتها من اختراق محافظه الرقمية. هذا الطلب يضع وزارة العدل الأمريكية في مأزق؛ فكشف الأساليب التقنية قد يحرمها من أدواتها في ملاحقة شبكات إرهابية أخرى، وإبقاء الأمر سراً يعزز اتهامات القرصنة والنهب المنظم للأصول الرقمية العالمية.

في نهاية المطاف

إن الهبوط الأخير للعملات المشفرة ليس مجرد تصحيح فني أو نتاج لانتهاء عقود خيارات، بل هو انعكاس لواقع سياسي جديد تتشابك فيه أسلحة العقوبات مع برمجيات القرصنة وطموحات الهيمنة. وبينما ينتظر العالم قرار القضاء الأمريكي بشأن الـ 127 ألف عملة المصادرة، ستبقى الأسواق تعيش تحت رحمة الأخبار الجيوسياسية. إن التوازن بين الأمان الرقمي والتدخل الحكومي بات هشاً للغاية، مما يتطلب من كل مهتم بهذا القطاع أن يدرك أن خلف كل شمعة حمراء في الرسم البياني للأسعار، قد تختبئ قصة صراع بين دول عظمى ومصادرات بمليارات الدولارات تجري في الغرف المظلمة.