بوابة النور الاخبارية

وأد المرأة فى زمان الحداثة 2024 /2025.

الأحد 18 يناير 2026 04:34 مـ 29 رجب 1447 هـ
هبة نبيل خليل
هبة نبيل خليل

كتبت-هبة نبيل خليل

لم يعد الفكر الذكوري المدعي للمدنية يستخدم الدفن وسيلةً، بل استحدث وسيلة عصرية أخرى، وهي "النظريات النفسية المغلوطة" التي تصنع للمرأة طبيعة مهمشة، وتختزل مكانتها لتجعلها جسداً بلا روح، ظناً منه أنه بذلك يجيد لغة الحياة، واهماً نفسه بأنه اكتشف الطريق الصحيح للسيطرة.
ومن هنا، نسلط الضوء على الممارسات السائدة في مؤسسة الزواج وعلاقتها بالشعور بالأمان الذي تفتقده المرأة في محيط الأسرة. ونحن هنا نطالب الشباب أن يكونوا "رجالاً" لا مجرد "ذكور"، فكم بين الوصفين من فوارق شاسعة! فالذكر في عصرنا المتحضر ما زال يعيش بعقلية متحجرة؛ حيث ظهرت سمة لدى بعض الأزواج تتمثل في قبول الزوج اقتسام راتب زوجته أو السماح لها بالتأخر خارج المنزل مقابل العمل الإضافي (الأوفر تايم)، بينما يرفض في المقابل تأخرها في حفل زفاف صديقتها أو زيارة بيت والدها! كما يرفض زيادة مصروفات البيت في حين أنه المسؤول شرعاً وعرفاً عن تلبية متطلبات الأسرة ونفقاتها.
إضافة إلى ذلك، نجد الزوج في المجتمع الريفي أكثر تمسكاً بالعادات والتقاليد، ولا يختلف فكره كثيراً عن "الذكوري" في المجتمع المدني، لكنه في الريف يكون أكثر تنميطاً؛ فالزوجة لا تحصل على الحقوق الاجتماعية أو الفكرية التي يتمتع بها الرجل، بل ويُفرض عليها خِدمة الزوج والأطفال والبيئة المحيطة، وإلا اتُّهِمت بالتقصير ونالها عقاب يتفاوت بين اللوم والتعنيف، أو الطلاق، أو الزواج بأخرى، أو التشهير بأنها "ناقصة أنوثة" أو مريضة نفسياً.
إذا أردتَ أن تعرف نصيبك من الرجولة، فاسأل نفسك يومياً: هل قدمت أفضل ما عندك للمرأة الموجودة في حياتك؟ ربما يكون هذا المقال نقطة تحول؛ فاقرأ بقلبك وعقلك، فقد تجد الإجابة هنا.. فهل أنت مستعد لما بعد ذلك؟
دعني أصف لك الطبيعة الأنثوية؛ فهي بفطرتها تنظر للرجل على أنه مصدر أمانها الأول في الأرض، والحصن الذي يحميها من مخاطر الحياة وآلامها. وعلى النقيض، نجد طبيعة الرجل الذي اكتملت بداخله صفات الرجولة؛ ذاك الذي لا يملك رفاهية التعبير عن مخاوفه بل يواجهها بشجاعة. فالرجولة "مضمون" قبل أن تكون "مظهراً"، لأنها مصدر حماية وطمأنينة لكل من يعول.
على الرجل ألا ينسى أن المرأة بحاجة ماسة للشعور بالأمن مع شريكها، فالرجولة الحقيقية تكمن في القدرة على توفير هذا الإحساس. المرأة في لحظات معينة -ككل كائن بشري- تشعر بالضعف والرغبة في الاحتماء، وهنا يبرز دور الرجل وتتجلى رجولته في الوقت المناسب لحمايتها، وهذه مسؤولية أخلاقية وفعلية جسيمة.
من هنا نفهم مكانة الرجل في القرآن وتحمله للمسؤولية: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ). ويقول الرسول ﷺ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ...". وكما يقول الدكتور مصطفى محمود: "والرجل الشريف ليس صاحب سعادة، ولا صاحب شهادة، ولا صاحب عمارة، وليس لغزاً من الألغاز، بل هو إنسان بسيط يعمل بوعي، وبحافز حر، وبإحساس فادح بالمسؤولية".
قف لحظة واسأل نفسك يا عزيزي: هل أملك مقومات الزواج الناجح، أم أنا مجرد مقلد غير مدرك للثقافة التي تؤهلني لبناء أسرة؟ هل فكرت بصدق: هل أنا جدير بهذا "الميثاق الغليظ" لبناء بيت أساسه المودة والرحمة؟ أم أنني وقعت في فخ العادات والتقاليد وانشغلت بتكاليف ومراسيم الزواج المادية فقط؟
إن الزواج ليس مجرد عقد مدني أو وجاهة اجتماعية، بل هو اختبار حقيقي لإنسانيتك وقدرتك على الاحتواء. إن الفارق بين "الذكر" و"الرجل" يكمن في كلمة واحدة هي: الأمان. فالذكورة صفة بيولوجية يولد بها المرء، أما الرجولة فهي ممارسة يومية، وقرار أخلاقي بتقديم السكينة على السيطرة، والمودة على الهيمنة.
لا تكن ممن يوفرون للمرأة سقفاً من خرسانة ويهدمون فوق رأسها سقفاً من كرامة. إن "وأد الروح" أصعب بكثير من "وأد الجسد"، فكن لزوجتك الأمان الذي تنشده، والحماية التي تبحث عنها، والرحمة التي أمر بها خالقك. تذكر دائماً أن قوتك الحقيقية لا تظهر في فرض سطوتك، بل في لين جانبك معها وقت ضعفها، وفي تحمل مسؤوليتك بشرف وتجرد.
ابدأ اليوم بصدق مع نفسك؛ هل أنت "قوّام" بفعلك وعطائك، أم مجرد عابر في حياة امرأة تقتات على بقايا شعورك؟ الخيار لك، فإما أن تبني بيتاً يقوم على عماد المودة، أو تظل أسيراً لعقول متحجرة لم تزدها المدنية إلا قسوة