الفول المدمس: الطبق المصري القديم الذي لا يغيب عن موائد السحور في رمضان 2026
يعد الفول المدمس أحد أهم الأطباق الشعبية في مصر، ليس فقط كوجبة صحية مليئة بالبروتين والألياف، بل كرمز ثقافي يمتد تاريخه لآلاف السنين. هذا الطبق التقليدي يظل حاضرًا يوميًا على موائد الإفطار والسحور، محافظًا على مكانته في التراث المصري.
تاريخ الفول المدمس في مصر القديمة
تشير الأدلة التاريخية إلى أن المصريين القدماء كانوا يستخدمون الفول في البداية كعلف للحيوانات قبل أن يتحول إلى غذاء للبشر. عُثر على بذوره في قبور تعود إلى عصر الأسرات، وظهر في مدينة طيبة خلال الدولة الحديثة، مما يؤكد حضوره في الحياة اليومية والطقوس الدينية.
في برديات مثل بردية إيبرس وبردية هاريس، ورد ذكر الفول بأسماء متعددة، ما يعكس أهميته الغذائية والعلاجية. أما كلمة "مدمس"، فيرجح أنها مشتقة من لفظ مصري قديم يعني "مدفون"، في إشارة إلى طريقة طهيه التقليدية التي كانت تعتمد على دفنه في الرماد أو وضعه في أفران مشتعلة لساعات طويلة.
طرق إعداد الفول المدمس عبر العصور
يُطهى الفول في مصر اليوم ببطء داخل الدماسة حتى ينضج على نار هادئة، ويُقدم بزيت الزيتون أو الطحينة أو الليمون والكمون. مع مرور الزمن، تنوعت طرق إعداد الفول بحسب المناطق:
-
القاهرة: يُفضل الفول بزيت الزيتون والليمون.
-
الإسكندرية: يضاف البصل والطحينة لإضفاء نكهة مميزة.
-
الدلتا والصعيد: وصفات دسمة بالبيض أو الصلصة أو الشطة.
كما انتقل الفول المدمس إلى السودان حيث يُلقب بـ"حبيب الشعب"، ووصل إلى الحجاز عبر الحجاج المصريين، ليصبح وجبة أساسية على موائد رمضان.
الفول المدمس بين الحضارة والذاكرة الشعبية
رغم أن بعض الدراسات تشير إلى وجود بقايا فول أقدم في فلسطين ومناطق البحر المتوسط، إلا أن الأدلة الأثرية في مصر تؤكد حضوره المبكر، ويُحفظ بعض بذوره في المتحف الزراعي بالجيزة.
من النقوش والمعابد، مثل مقبرة الوزير رخمي رع في عهد تحتمس الثالث، يظهر الفول ضمن القرابين والمخزون الغذائي للمعابد، مما يعكس مكانته الاقتصادية والاجتماعية.
الفول المدمس اليوم: صحة ونكهة
بفضل قيمته الغذائية العالية، أصبح الفول المدمس وجبة مثالية للسحور، يمنح الطاقة والشبع طوال النهار. هذا الطبق البسيط يربط بين الماضي والحاضر، بين أفران الفراعنة وموائد رمضان الحديثة، ليظل شاهدًا حيًا على قدرة الطعام على حفظ ذاكرة الشعوب.
