حين يصبح النزوح ذاكرة وطنية: لبنان وجرحٌ لا يندمل
في أقل من خمس دقائق، يمكن لمبنى سكني على مشارف بيروت أن يتحوّل إلى «مشروع نزوح» كامل. اتصال هاتفي واحد يطلب الإخلاء فوراً، فتهبط العائلات الدرج حاملة أوراقها الثبوتية وجوازات سفرها وبعض المال، من دون وقتٍ للتحقق إن كان الإنذار حقيقياً أم كاذباً. هذا المشهد، الذي يبدو استثنائياً في أي مكان آخر، صار في لبنان جزءاً من اليومي. وفي هذا المقال نقرأ كيف تحوّل النزوح من حدثٍ طارئ إلى ذاكرةٍ جماعية، وما الذي يفعله ذلك ببلدٍ بأكمله.
دقائق تختصر نصف قرن
تكشف تفاصيل تلك الدقائق المعدودة عن مهارةٍ مأساوية اكتسبها اللبنانيون بالتكرار. فالجميع يعرف ماذا يحمل، وإلى أين يذهب، وكيف يبدأ من جديد. الحقيبة نفسها، والارتباك نفسه، والسؤال نفسه: ماذا نأخذ معنا إذا لم يعد هناك وقت؟ في بلدٍ عرف الحرب الأهلية والاجتياحات وحروب الجنوب المتكررة، لم يعد النزوح حدثاً استثنائياً، بل صار طبقةً من طبقات الهوية الوطنية.
ولكل جيلٍ لبناني قصته: جيل حمل حقائبه إلى قبرص، وجيل انتقل بين بيروت الشرقية والغربية، وجيل تابع الخرائط على هاتفه بحثاً عن طريق أكثر أماناً. تختلف الحروب وتتشابه التفاصيل.
الجرح الذي لا يلتئم
إذا كان النزوح ذاكرة وطنية، فإن الضاحية الجنوبية تظل الجرح الأكثر عمقاً الذي يصعب أن يندمل. ففيها تتكثّف صور الخسارة، ومنها خرجت قصص النزوح الأقسى. ويكفي أن نتذكّر الشابة الرياضية سيلين حيدر التي أصيبت بجروح بالغة هناك، لندرك أن الأرقام الإجمالية لا تروي القصة كاملة. فخلف كل رقم وجهٌ وذاكرة ومكان لن يعود كما كان.
النزوح في لبنان، كما توصّفه التجربة، لم يعد مجرد انتقالٍ من مكان إلى آخر، بل انتقالٌ دائم «من يقين إلى آخر».
أرقام تختصر المأساة
تكفي بعض المعطيات لتوضيح حجم ما يجري:
- نزح أكثر من مليون شخص داخل لبنان خلال الحرب الأخيرة.
- تجاوزت حصيلة إحدى أعنف المواجهات 47 ضحية و97 جريحاً في الجنوب والبقاع.
- آلاف العائلات احتفظت بمراكز إيوائها أو بمنازل استأجرتها خارج الضاحية والجنوب تحسّباً لأي تصعيد.
اللافت أن خطط الاستجابة على الأرض ارتكزت إلى «داتا نزوح» شبيهة إلى حدٍّ بعيد بالحرب السابقة، وكأن البلد يعيد إنتاج السيناريو ذاته كل بضع سنوات.
هشاشة ما بعد وقف النار
حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، بقي الإيمان بالاستقرار غائباً. فالآلاف يحتفظون بمراكز إيوائهم، يزورون بيوتهم المدمّرة أو الناجية، ثم يعودون إلى أماكن النزوح خشية انهيار الهدنة. وقد ترافق ذلك مع تهديدات متبادلة واستمرار التوتر الميداني، فيما جرى الحديث عن مفاوضات لبنانية - أميركية - إسرائيلية مرتقبة في واشنطن. وعلى المستوى الرسمي، تلقى رئيس الجمهورية العماد جوزف عون اتصالاً من وزير الخارجية الأميركي أكّد فيه وقوف بلاده إلى جانب لبنان ودعم مؤسساته الشرعية، فيما شدّد عون على ضرورة وقف الاعتداءات بوصفه ركيزة لإنجاح أي تفاوض.
ذاكرة تتوارثها الأجيال
ربما لا تكمن خصوصية التجربة اللبنانية في عدد النازحين فقط، بل في أن مجتمعاً كاملاً بات يعرف كيف ينزح: يعرف ماذا يحمل، وأين يذهب، وكيف يبدأ من جديد. وهي معرفة لا يفترض بأي شعب أن يحتاج إليها بهذا القدر. فمن حقيبة العجوز التي تبحث عمّا ترتديه على عجل، إلى الجار الذي يطرق الأبواب منبّهاً، تتكرر التفاصيل ذاتها في كل جولة، لتترسّخ في الوجدان الجماعي بوصفها جزءاً من الهوية لا حدثاً عابراً.
وتكشف المعطيات أن خطط الاستجابة على الأرض ارتكزت إلى بيانات نزوح شبيهة إلى حدّ بعيد بالحرب السابقة، إذ عاد كثيرون إلى المدارس ومراكز الإيواء نفسها، واحتفظ آخرون بمنازل استأجروها سابقاً تحسّباً للأسوأ. هذا «التدرّب» القسري على النزوح يحمل في طياته مأساة مزدوجة: نجاة جسدية من جهة، وجرح نفسي متجدد من جهة أخرى، يجعل الشعور بالأمان رفاهية بعيدة المنال.
كلفة تتجاوز اللحظة
ولا يقتصر أثر هذا الواقع على الجانب النفسي، بل يمتد إلى الاقتصاد والتعليم وفرص العمل، إذ يفقد النازح استقراره المعيشي ويضطر إلى إعادة بناء حياته من الصفر مراراً. ومع تكرار هذه الدورة، تتراكم الكلفة الاجتماعية لتطال أجيالاً كاملة، ما يجعل معالجة النزوح قضية تنموية طويلة الأمد لا مجرد استجابة إغاثية عابرة لكل جولة من جولات الحرب.
في الختام
تبقى الحقيبة المجهّزة عند الباب رمزاً لبلدٍ لم يُمنح فرصة الطمأنينة الكاملة، وتبقى الضاحية الجنوبية شاهداً على جرحٍ يتجدّد مع كل جولة. ولعلّ التحدي الأكبر في مرحلة ما بعد الحرب ليس إعادة الإعمار وحدها، بل استعادة الحق في الشعور بالأمان. فبرأيك، كيف يمكن لمجتمعٍ أدمن النزوح أن يستعيد ثقته بأن الغد سيكون أكثر استقراراً؟
