بين موائد واشنطن وقذائف الجنوب: وقاحة إسرائيلية تفاوض بالدبلوماسية وتبطش بالميدان
في مشهد يعكس ذروة الانفصال الأخلاقي والسياسي، تواصل إسرائيل لعبتها المكشوفة في التعامل مع الملف اللبناني؛ حيث تُسخّر الواجهة الدبلوماسية لتبييض صورتها أمام المجتمع الدولي وتقديم نفسها كطرف يسعى للحلول، بينما تمارس على أرض الواقع أقصى درجات الاستباحة العسكرية والغطرسة الميدانية. لم يعد خافياً على كل من يتابع تطورات الميدان عبر تغطيات حرب لبنان مباشر أن ما يُروّج له تحت مسمى "المسار التفاوضي" ليس إلا محاولة لشراء الوقت وفرض وقائع أمنية جديدة بقوة السلاح. فالحديث المتزامن عن لقاءات تمهيدية في العاصمة الأميركية واشنطن والتحضير لجولة تفاوضية مرتقبة في روما خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل، يُقابَل على الأرض بآلة قتل وتدمير لا تتوقف، ما يثبت أن تل أبيب لا تقيم وزناً للأعراف الدولية، بل تعتمد البلطجة العسكرية وسيلة أساسية لانتزاع مكاسب تفاوضية غير شرعية تحت رعاية أميركية معتادة.
واجهة روما وواشنطن: التفاوض تحت ظلال الابتزاز
بحسب المعطيات الصادرة عن السفارة الأميركية في بيروت، استضافت واشنطن لقاءً جمع سفيري لبنان وإسرائيل لمناقشة ما وُصف بـ"الإطار الثلاثي"، تمهيداً لجولة محادثات رسمية تستضيفها العاصمة الإيطالية روما مطلع الخريف. غير أن هذا الغطاء الدبلوماسي الأنيق يخفي خلفه رغبة إسرائيلية جامحة في تحويل طاولة المفاوضات إلى منصة إملاءات واستسلام. إن الزج بتعبيرات فضفاضة مثل "الترتيبات المشتركة" في ظل اختلال توازن القوى الميداني يهدف فقط إلى محاصرة الموقف اللبناني وإلزامه بتنازلات تمس صلب سيادته الوطنية. والأوقح في هذا المسار هو الدور الأميركي الذي يصر على تصوير الصراع وكأنه نزاع تقني بين طرفين متكافئين، متجاهلاً عن عمد أن إسرائيل هي القوة المعتدية التي تنتهك الأجواء والحدود يومياً، وتقصف القرى الآمنة، وتفرض شروطها تحت تهديد النار والدمار.
عنجهية كاتس: شرعنة الاحتلال والتهديد بالقتل
تبلغ الوقاحة الإسرائيلية ذروتها الفجة في المواقف المعلنة لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس. فحين يصرح مسؤول عسكري بلا مواربة بأن "مرتفعات علي الطاهر هي جزء من الخط الأصفر والمنطقة الأمنية الإسرائيلية في لبنان"، فهو لا يمارس تعدياً لفظياً فحسب، بل يعلن عملياً ضم أراضٍ لبنانية ذات سيادة معترف بها دولياً وتحويلها بجرّة قلم إلى عمق استراتيجي لجيش الاحتلال.
لم يكتفِ كاتس بهذا الإعلان الاستعماري، بل صعّد نبرته الوقحة بإطلاق تهديد صريح بالتصفية الجسدية، مؤكداً أن "كل من يقترب من منطقة مرتفعات علي الطاهر سيتم القضاء عليه"، ومشدداً على أن إسرائيل لن تنسحب ولن تعيد انتشارها إلا بعد نزع سلاح حزب الله. يجسد هذا الخطاب جوهر المنطق الإسرائيلي القائم على العربدة؛ إذ كيف لكيان يدّعي رغبته في التهدئة والاستقرار أن يتوعد أصحاب الأرض بالقتل إذا ما اقتربوا من ترابهم الوطني؟ إن تحويل الجغرافيا اللبنانية إلى مناطق عازلة يُمنع أهلها من دخولها هو استعادة صريحة لأسوأ حقب الاحتلال في الجنوب، وتحدٍّ صارخ لكل القرارات الدولية التي تؤكد وحدة الأراضي اللبنانية وسلامتها.
تسريبات القناة 12: عقلية الوصاية على الجيش اللبناني
امتدت هذه الغطرسة لتنعكس بوضوح في التسريبات التي بثتها وسائل الإعلام العبرية؛ إذ كشفت "القناة 12" الإسرائيلية عن أن تل أبيب تدرس "إمكانية السماح بإدخال الجيش اللبناني إلى منطقة علي الطاهر ومحيطها". يمثل مجرد تداول هذا الطرح قمة الوقاحة والاستخفاف بالدولة اللبنانية ومؤسساتها؛ فبأي حق وبأي منطق تمنح تل أبيب نفسها سلطة "السماح" أو "المنع" لقوات الجيش الوطني اللبناني من التحرك داخل حدوده المعترف بها دولياً؟
إن الجيش اللبناني ليس فصيلاً تابعاً ينتظر تأشيرة دخول من جنرالات الاحتلال للانتشار على تلاله ومرتفعاته، وتواجده في أي نقطة من أرض الجنوب هو حق سيادي مطلق لا يخضع للمساومة أو الشروط المسبقة. تعكس هذه الطروحات رغبة دفينة لدى قادة الاحتلال في تكريس وصاية أمنية استعمارية تجعل من سيادة لبنان أمراً مرهوناً بالرضا الإسرائيلي والضوء الأخضر الأميركي، وهي محاولة رخيصة لإهانة السيادة اللبنانية وتصوير تحركات الدولة وكأنها تجري بإذن خاص من تل أبيب.
الحرب النفسية وتلفيق الذرائع الميدانية
بالتوازي مع الإرهاب العسكري، تنشط الماكينة الإسرائيلية في تلفيق الشائعات وحياكة الروايات المفبركة لتبرير استمرار استباحة الميدان. وفي هذا السياق، يندرج ما نفته وكالة الأنباء الإيرانية "فارس" بشأن الشائعات التي روجت لها منصات إعلامية حول احتجاز عناصر من الحرس الثوري الإيراني في أنفاق مرتفعات علي الطاهر. يدرك الاحتلال الإسرائيلي أهمية شيطنة المناطق المستهدفة عبر اختلاق قصص الأنفاق والوجود العسكري الخارجي، لخلق ذرائع وهمية تُقنع الرأي العام الداخلي وتمنح الحلفاء الغربيين مبرراً للسكوت عن تدمير القرى الجنوبية ورفض الانسحاب منها. إنها استراتيجية قائمة على التضليل الممنهج لتسويغ قضم الأراضي والتنصل من أي التزامات حقيقية للتهدئة.
استباحة الجنوب: لغة النار ونسف القرى
على نقيض الهدوء الدبلوماسي المصطنع في صالونات واشنطن، تتحدث لغة الميدان في جنوب لبنان بوضوح عن النوايا الحقيقية للاحتلال؛ حيث تواصل القوات الإسرائيلية اعتداءاتها اليومية المنظمة التي تهدف إلى تفريغ القرى الحدودية وتحويلها إلى أراضٍ محروقة:
- استهداف مدفعي مكثف للمساحات الفاصلة بين بلدتي أرنون وكفرتبنيت لإرهاب السكان ومنعهم من استغلال أراضيهم الزراعية.
- قصف مدفعي متقطع استهدف الأحياء السكنية المأهولة، وتحديداً حي الدير في النبطية الفوقا صباحاً، إضافة إلى استهداف ليلي متكرر لأطراف بلدة حداثا في قضاء بنت جبيل.
- تنفيذ عمليات تمشيط عدوانية بالأسلحة الرشاشة الثقيلة باتجاه بلدة بيت ياحون لفرض حظر تجول غير معلن وإبقاء السكان تحت هاجس الخوف المستمر.
- مواصلة تفجير ونسف المنازل والبنى التحتية بصورة متعمدة وممنهجة لمحو الهوية العمرانية للقرى الجنوبية وخلق شريط أمني مهجور بقوة القنابل المتفجرة.
تكشف هذه المعادلة السريالية أن إسرائيل تتعامل مع المفاوضات كأداة حربية تكميلية؛ فالغاية ليست الوصول إلى تسوية عادلة تحفظ استقرار الحدود، بل استخدام القصف والتدمير كوسيلة ضغط على المفاوض اللبناني لانتزاع مكاسب عسكرية وسياسية تعذّر تحقيقها عبر المواجهة المباشرة. إن التفاوض مع مواصلة نسف المنازل والتهديد بقتل أصحاب الأرض هو قمة الإرهاب الدبلوماسي، ومحاولة فاشلة لفرض الاستسلام تحت مسميات "الترتيبات الأمنية"، وهو ما يضع لبنان أمام حقيقة واحدة: لا سلام يُرتجى مع عدو يستبدل القانون الدولي بلغة القتل والعنجهية، ويراهن على كسر إرادة الشعوب بقوة النار.
