بوابة النور الاخبارية

الفراغ الرقمي... حين يخسر الإنسان الإنسان

الإثنين 20 يوليو 2026 12:36 مـ 4 صفر 1448 هـ
الفراغ الرقمي... حين يخسر الإنسان الإنسان

(إن أعظم المآسي ليست تلك التي تُحدث ضجيجًا بل تلك التي تقع في صمت حتى يعتادها الناس فيظنون أنها جزء من الحياة)
لم يكن الإنسان في أي عصر من العصور أقرب إلى العالم مما هو عليه اليوم ولم يكن  في الوقت نفسه  أبعد عن الإنسان كما هو الآن فمنذ أن اخترع العقل البشري وسائل الاتصال كان الحلم أن تختفي المسافات وأن تتلاقى القلوب قبل الأجساد وأن يصبح العالم أكثر دفئًا لكن ما حدث كان مفارقة تستحق أن يتوقف عندها الأدب أكثر مما يتوقف عندها العلم فقد اقتربت المدن وتباعدت الأرواح وامتلأت الشاشات بالأصوات بينما خلت البيوت من الحوار
لقد تغير معنى الغياب لم يعد الغائب هو من سافر بل من جلس إلى جوارك ولم يرك ومن سمع صوتك ولم يُنصت إليك ومن شاركك المكان لكنه لم يشاركك اللحظة وأصبح الحضور الجسدي قشرة رقيقة تخفي تحتها غيابًا وجدانيًا عميقًا حتى بدا الإنسان وكأنه يعيش عصرًا لا تنقصه وسائل الاتصال وإنما تنقصه القدرة على التواصل
إن أخطر ما أنجبته الثورة الرقمية ليس الهاتف الذكي ولا الذكاء الاصطناعي ولا طوفان المعلومات وإنما ذلك الفراغ الخفي الذي تسلل إلى العلاقات الإنسانية دون أن يستأذن فراغ لا يُرى بالعين لكنه يُلمس في برودة الكلمات ويُسمع في صمت الموائد ويُقرأ في العيون التي تنظر إلى الشاشات أكثر مما تنظر إلى الوجوه
ولعل الأدب كان أكثر وعيًا بهذه الحقيقة من كثير من الدراسات الاجتماعية لأنه أدرك منذ القدم أن الإنسان لا يذبل حين يقل كلامه وإنما حين يفقد من يصغي إلى صمته ولذلك كتب مصطفى صادق الرافعي في أوراق الورد عن أن القلوب لا تحيا بكثرة الأحاديث وإنما بصدق الشعور وكأن الرافعي كان يرى المستقبل ويحذر من زمنٍ ستكثر فيه الكلمات ويقل فيه الإحساس
ولم يكن عباس محمود العقاد حين تحدث عن الإنسان يتحدث عن جسد يتحرك في الحياة بل عن عقل يشعر وروح تتفاعل وإرادة تمنح للحياة معناها ومن هنا كانت قيمة الإنسان  في نظره  فيما يمنحه للآخرين لا فيما يملكه وأعظم ما يمنحه الإنسان لمن يحب هو حضوره الكامل ذلك الحضور الذي لا تقاطعه إشعارات ولا تختطفه شاشة ولا تسرقه عوالم افتراضية لا تعرف شيئًا عن حرارة القلب
لقد أصبح المشهد مألوفًا إلى حد يدعو للقلق أسرة كاملة تجلس حول مائدة واحدة لكن الحديث غائب والعيون منحنية وكل فرد يحمل عالمه في راحة يده الطفل يبحث عن اهتمام فلا يجد إلا هاتفًا والزوجة تبحث عن حوار فتجد صمتًا مضاءً بضوء الشاشة والزوج يعود من عمله مثقلًا فلا يجد من يخفف عنه سوى تصفح لا ينتهي لا خصام ولا صراخ ولا قطيعة معلنة... وإنما شيء أشد قسوة اعتياد الغياب
وهنا تكمن المأساة الحقيقية فالعلاقات لا تموت بالانفجار بل بالتآكل لا يسقط الجدار بضربة واحدة وإنما بحجر يسقط كل يوم حتى لا يبقى منه شيء وكذلك المشاعر لا تنطفئ في لحظة وإنما تخفت كلما تأجل حديث وكلما تأخرت نظرة وكلما انتصر الهاتف على الإنسان مرة أخرى
وقد أدرك توفيق الحكيم في كثير من أعماله أن الحوار ليس تبادلًا للكلمات بل كشفًا للروح فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يجيبه بقدر حاجته إلى من يسمعه وحين يفقد الإصغاء يفقد جزءًا من إنسانيته ولذلك فإن أخطر ما يصيب الأسرة ليس قلة الحديث بل فقدان الرغبة فيه
لقد أوهمتنا التكنولوجيا أننا أصبحنا أكثر قربًا بينما الحقيقة أننا أصبحنا أكثر انشغالًا نعرف أخبار الغرباء لحظة وقوعها لكننا قد نعجز عن ملاحظة الحزن في عيني أقرب الناس إلينا نحفظ كلمات المرور وننسى كلمات المودة نُسرع في الرد على رسالة عابرة ونتأخر في احتواء قلب ينتظر منا التفاتة
وليس المقصود من ذلك أن نقف في وجه التقدم فالتكنولوجيا ليست خصمًا للإنسان وإنما امتداد لعبقريته لكنها، ككل نعمة تتحول إلى نقمة عندما تستولي على ما لم تُخلق لتملكه فقد خُلقت لتقرب المسافات لا لتصنع الجدران وخُلقت لتخدم الإنسان لا ليصبح الإنسان خادمًا لها
ولعل الفيلسوف والأديب جبران خليل جبران كان يدرك أن العلاقات تُبنى على المشاركة الوجدانية لا على كثرة اللقاءات حين كتب (المحبة لا تعطي إلا نفسها ولا تأخذ إلا من نفسها) فالحب ليس عدد الساعات التي نقضيها معًا بل مقدار الحضور الذي نهبه لمن نحب وقد يجلس إنسان معك ساعة واحدة فيمنحك من الاهتمام ما لا تمنحه مئات الرسائل في عام كامل
إن الإنسان لا يحتاج اليوم إلى شاشة أكثر تطورًا بل إلى قلب أكثر يقظة يحتاج إلى أن يستعيد تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنح الحياة معناها جلسة بلا هاتف حديث بلا استعجال ضحكة لا يقطعها إشعار ونظرة تقول ما تعجز عنه الكلمات
لقد علّمنا الأدب أن الحضارات لا تُقاس بما تبنيه من أبراج بل بما تحافظ عليه من قيم وأن الإنسان إذا خسر القدرة على الحب والإصغاء والرحمة فقد خسر أعظم ما يملكه مهما بلغت حضارته من تقدم
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذا المشهد : من الذي انتصر حقًا؟ هل انتصرت التكنولوجيا لأنها دخلت كل بيت أم أنها هزمتنا حين أقنعتنا بأننا متصلون بينما كل واحد منا يقف على جزيرة معزولة يلوّح للآخرين عبر شاشة 
ولا يجد يدًا حقيقية تمتد إليه؟
إن أخطر أشكال الفقر ليس فقر المال بل فقر المشاعر وأقسى أنواع الوحدة ليست أن تجلس في غرفة خالية بل أن تجلس بين من تحب ولا يجد قلبك طريقًا إلى قلوبهم
فإذا كان القرن الماضي قد علّم الإنسان كيف يغزو القمر فإن القرن الحادي والعشرين مطالب بأن يعلّمه من جديد كيف يعود إلى الإنسان لأن الحضارة التي تستطيع أن تجعل العالم كله في يدك لكنها تعجز عن أن تُبقي قلبًا واحدًا قريبًا منك ... هي حضارة ربحت الأشياء وخسرت الإنسان