الفلاح المصري.. حين تصبح الأرض جزءًا من الروح
الفلاح المصري.. حين تصبح الأرض جزءًا من الروح
كتبت نجوى فياض.....
ليست كل علاقة بالأرض علاقة ملكية؛ فهناك من يملك قطعة من الأرض، وهناك من تسكن الأرض فيه.
وبين الاثنين مسافة لا تُقاس بعدد الأفدنة، وإنما بعدد السنوات التي انحنى فيها الإنسان فوق التراب، وغرس يده فيه، وانتظر منه الحياة.
هكذا يمكن أن نفهم الفلاح المصري؛ لا باعتباره مجرد مزارع يمارس مهنة، وإنما باعتباره إنسانًا تشكلت ذاكرته وملامحه وأحلامه في حضن الأرض. فهو يعرفها لا من خلال حدودها على الورق، وإنما من رائحتها بعد المطر، ولونها قبل الزراعة، وملمسها حين تتهيأ لاستقبال البذور.
وفي التاسع من سبتمبر من كل عام، تحتفل مصر بعيد الفلاح، وهي مناسبة ارتبطت بذكرى صدور قانون الإصلاح الزراعي عام 1952. لكن قيمة المناسبة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود ذكرى تاريخية أو كلمات التهنئة؛ لأن الفلاح الذي نحتفي به في يوم واحد، هو نفسه الذي تظل يداه تعملان طوال العام.
الفلاح، في جوهر حكايته، هو إنسان يعرف معنى الصبر أكثر من أي شخص آخر.
يضع البذرة في الأرض، ثم ينتظر. يسقيها، ويحميها، ويراقب السماء، ويتعامل مع تقلبات الطقس، ويواجه الآفات والتكاليف، ثم ينتظر.
إنه يمارس كل يوم درسًا إنسانيًا نحتاج إليه بشدة: أن الأشياء الحقيقية لا تنضج في عجلة، وأن بين البذرة والثمرة رحلة كاملة من الصبر.
نحن نعيش في زمن يريد فيه الإنسان كل شيء سريعًا؛ نجاحًا سريعًا، ونتائج سريعة، وأحلامًا تتحقق قبل أن تأخذ وقتها. أما الفلاح فما زال يعرف أن الحياة لها مواسم، وأن الثمرة لا تأتي قبل أوانها مهما استعجلناها.
وهنا تصبح الأرض مدرسة، ويصبح الفلاح أحد أكثر معلميها صدقًا.
وليس مصادفة أن يحتل الريف والأرض مكانة واضحة في الأدب المصري، وأن يحمل أحد أعمال يحيى حقي عنوان «تراب الميري»؛ فالأرض في تجربته الأدبية لم تكن مجرد مكان تجري فيه الأحداث، وإنما كانت عالمًا تتقاطع فيه حياة الإنسان مع المكان والذاكرة والمجتمع.
وهذا ما يجعل صورة الفلاح أوسع من الصورة النمطية التي اعتدنا أن نراها في المناسبات؛ رجل في الحقل، وعبارات عن العطاء، ثم تنتهي الحكاية.
فالفلاح إنسان له أحلامه ومخاوفه وأسرته وطموحاته، وله حق في أن تكون مهنته قادرة على أن تمنحه حياة كريمة.
وإذا كنا نريد أن يكون الاحتفال بعيد الفلاح أكثر من مجرد مناسبة سنوية، فعلينا أن نرى الإنسان قبل المحصول، واليد قبل الثمرة، والتعب قبل المائدة.
فالغذاء لا يبدأ في الأسواق، وإنما يبدأ هناك؛ في الحقل، وفي يد الفلاح، وفي ساعات العمل التي لا يراها المستهلك.
وحين نرى رغيف الخبز على مائدتنا، نرى نتيجته الأخيرة، لكننا لا نرى اليد التي بدأت الحكاية.
لهذا فإن تقدير الفلاح لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بدعم الزراعة، وحماية المنتج، وتطوير أدوات العمل، ونقل المعرفة والتكنولوجيا إلى الحقول، وخلق أسباب تجعل الأجيال الجديدة ترى في الزراعة مستقبلًا يستحق أن تختاره، لا مجرد مهنة شاقة ورثتها عن الآباء.
لقد تغير الريف المصري، وتغيرت أدوات الفلاح، وتغيرت احتياجات السوق، وظهرت تحديات جديدة تتعلق بالمياه والمناخ وتكاليف الإنتاج. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: حاجة الإنسان إلى الأرض، وحاجة الأرض إلى من يعرف كيف يحافظ عليها.
وربما لهذا السبب لا يمكن أن تنفصل حكاية الفلاح عن حكاية مصر نفسها.
فمنذ أن عرف المصري القديم معنى الزراعة، ارتبطت الحياة في هذه البلاد بالأرض والماء والموسم والحصاد، وظل الفلاح عبر قرون طويلة واحدًا ممن يحملون استمرارية هذه الحكاية من جيل إلى جيل.
وفي عيد الفلاح، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: ماذا قدمنا للفلاح في يوم عيده؟
بل: ماذا قدمنا له في بقية أيام العام؟
لأن الإنسان الذي نطلب منه أن يحافظ على الأرض، وأن يزرع لنا غذاءنا، وأن يواجه تقلبات الحياة والطبيعة، يستحق أكثر من التصفيق.
يستحق أن يشعر أن الأرض التي أحبها لم تكن يومًا سببًا في أن يُنسى.
فالفلاح المصري لا يضع البذرة في التراب فقط؛ إنه يضع فيها جزءًا من عمره.
وحين تنبت، لا تخرج من الأرض ثمرة فحسب، وإنما يخرج معها شيء من صبره، وشيء من تعبه، وشيء من روحه.
لهذا، حين تصبح الأرض جزءًا من الروح، لا يعود الفلاح مجرد من يزرعها، بل يصبح واحدًا ممن يحفظون للحياة قدرتها على أن تستمر.
