مصر والسعودية.. شراكة تاريخية وتحالف استراتيجي في مواجهة تحديات المنطقة
كتبت:إيمان خالد خفاجي
منذ توقيع «معاهدة الصداقة» بين مصر والسعودية عام 1936، شهدت العلاقات بين البلدين تطورًا متواصلًا وتشعبًا في مختلف المجالات، فلم تعد تقتصر على البعد السياسي، بل امتدت لتشمل التعاون الاقتصادي والثقافي والاستثماري، وصولًا إلى شراكة استراتيجية راسخة تعكس عمق الروابط التاريخية والشعبية بين القاهرة والرياض.
وعلى مدار عقود، تحولت العلاقات المصرية السعودية إلى نموذج للتعاون العربي القائم على المصالح المشتركة والرؤى المتقاربة، لاسيما في ظل ما تشهده المنطقة من أزمات متلاحقة وتحديات أمنية وسياسية واقتصادية متصاعدة.
وقد أثبتت التطورات الإقليمية أن التنسيق بين مصر والسعودية لم يعد مجرد خيار سياسي أو تحركًا مرحليًا، وإنما أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن القومي للبلدين والمنطقة بأكملها، في ضوء التشابك الجغرافي والسياسي والاقتصادي بينهما، ودورهما المحوري في حماية الاستقرار ومواجهة مخاطر الفوضى والصراعات.
وفي هذا السياق، تأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، باعتبارها محطة مهمة في مسيرة العلاقات الأخوية بين البلدين، وتجسيدًا لحرص القيادتين على مواصلة التنسيق والتشاور، وتعزيز التحالف المصري السعودي في توقيت بالغ الدقة تمر فيه المنطقة بتحولات متسارعة.
تحالف راسخ أمام المتغيرات
صمدت العلاقات بين القاهرة والرياض أمام مختلف المنعطفات التاريخية، ونجحت في ترسيخ نموذج متميز للعلاقات العربية البينية، انعكس في مواقف مشتركة تجاه العديد من الأزمات والقضايا الإقليمية، حيث تلاقت إرادة البلدين في الدفاع عن قضايا الأمة العربية وصون مصالحها الاستراتيجية.
ومع تصاعد التحديات المرتبطة بالطاقة والأمن والدفاع ومكافحة الإرهاب، تزداد الحاجة إلى تطوير آليات التعاون والتنسيق بين البلدين، بما يتناسب مع طبيعة المخاطر الحالية والمستقبلية.
ولم يعد التحالف المصري السعودي مجرد علاقة ثنائية بين دولتين شقيقتين، بل أصبح أحد المرتكزات الأساسية للأمن والاستقرار في العالم العربي والإسلامي، لما تمتلكه الدولتان من ثقل سياسي واقتصادي وعسكري وتأثير إقليمي واسع.
توافق مصري سعودي في الملفات الأمنية والدفاعية
تتسم الرؤى المصرية السعودية بدرجة كبيرة من التقارب تجاه القضايا الإقليمية والدولية، خاصة في المجالات الأمنية والدفاعية، إذ يؤكد الجانبان باستمرار أهمية تعزيز التعاون والتنسيق الدفاعي بما يخدم المصالح المشتركة.
كما يشدد البلدان على أهمية دعم التعاون الأمني في مجالات مكافحة الجرائم بمختلف صورها، ومكافحة المخدرات والإرهاب والتطرف وتمويلهما، وتأمين الحدود، وتعزيز الأمن السيبراني، إلى جانب تبادل المعلومات والخبرات، بما يسهم في حماية أمن البلدين ودعم الأمن والسلم الدوليين.
ويولي الجانبان اهتمامًا خاصًا بنشر ثقافة الاعتدال والتسامح، ومواجهة الغلو والتطرف وخطاب الكراهية، والتصدي للمفاهيم والممارسات التي تتعارض مع القيم الإسلامية والعربية، بما يعزز مناعة المجتمعات ويحافظ على استقرارها.
القضية الفلسطينية.. موقف موحد لدعم الحقوق المشروعة
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، تتطابق المواقف المصرية والسعودية في التأكيد على ضرورة إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، والتعامل مع الكارثة الإنسانية في قطاع غزة.
ويشدد البلدان على أهمية التوصل إلى هدنة مستدامة ووقف دائم لإطلاق النار، ورفع الحصار عن القطاع، وضمان حماية المدنيين وفقًا لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
كما يدين الجانبان الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على المقدسات الإسلامية في القدس، ويرفضان أي محاولات لتغيير الوضع التاريخي والديني والقانوني القائم، مؤكدين ضرورة التوصل إلى تسوية شاملة وعادلة للقضية الفلسطينية، على أساس حل الدولتين، ومبادرة السلام العربية، وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، بما يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
لبنان.. دعم السيادة والاستقرار
وفي الشأن اللبناني، يؤكد البلدان حرصهما على أمن لبنان واستقراره ووحدة أراضيه، وضرورة الحفاظ على سيادته وسلامته الإقليمية، مع تجديد التضامن الكامل مع الشعب اللبناني الشقيق، ودعم كل ما من شأنه تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية وترسيخ الاستقرار الداخلي.
اليمن.. مساندة الحل السياسي وحماية البحر الأحمر
أما فيما يخص الأزمة اليمنية، فتؤكد مصر والسعودية دعمهما للجهود الأممية والإقليمية الرامية إلى التوصل لحل سياسي شامل يضمن وحدة اليمن واستقراره، وينهي معاناة شعبه.
كما أشادت مصر بالمبادرات السعودية الرامية إلى تشجيع الحوار والوفاق بين الأطراف اليمنية، فضلًا عن جهود المملكة في تقديم المساعدات الإنسانية وتسهيل وصولها إلى مختلف المناطق اليمنية.
ويولي البلدان أهمية كبيرة للحفاظ على أمن واستقرار البحر الأحمر، باعتباره ممرًا ملاحيًا حيويًا يرتبط بحركة التجارة العالمية والاقتصاد الدولي، مع ضرورة تجنيبه أي تهديدات قد تؤثر على الأمن والسلم الإقليمي والدولي.
السودان.. أولوية لوقف الحرب والحفاظ على وحدة الدولة
وفي الملف السوداني، تؤكد القاهرة والرياض أهمية مواصلة الحوار بين أطراف النزاع، وصولًا إلى وقف شامل لإطلاق النار، وإنهاء الأزمة الإنسانية، ورفع المعاناة عن الشعب السوداني، مع التشديد على ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية.
ليبيا.. دعم الحل الليبي وخروج القوات الأجنبية
وفيما يتعلق بالأزمة الليبية، تدعم مصر والسعودية الحل السياسي الليبي-الليبي، وخارطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة، فضلًا عن مساندة جهود المبعوثين الأمميين للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة، وتوحيد مؤسسات الدولة والجيش الليبي، وخروج جميع القوات الأجنبية والميليشيات والمرتزقة من الأراضي الليبية، بما يحقق تطلعات الشعب الليبي في الأمن والاستقرار.
مجلس التنسيق الأعلى.. مظلة جديدة لتعميق الشراكة
يشهد التنسيق والتشاور السياسي بين مصر والسعودية أفضل مراحله، وهو ما تجسد في الزيارة التاريخية التي قام بها الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في 15 أكتوبر 2024، حيث التقى الرئيس عبدالفتاح السيسي، وشهدت الزيارة توقيع محضر تشكيل «مجلس التنسيق الأعلى السعودي المصري».
ويترأس المجلس عن الجانب السعودي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، وعن الجانب المصري الرئيس عبدالفتاح السيسي، ليكون منصة مؤسسية فاعلة لتعزيز العلاقات بين البلدين ودفعها نحو آفاق أوسع، بما يحقق المصالح المشتركة ويدعم التعاون في مختلف المجالات.
وفي 21 أغسطس 2025، أجرى الرئيس عبدالفتاح السيسي زيارة رسمية إلى مدينة نيوم، بدعوة من ولي العهد السعودي، حيث عقد الزعيمان جلسة مباحثات تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وعقب مراسم الاستقبال الرسمية، ظهر الأمير محمد بن سلمان والرئيس عبدالفتاح السيسي في مشهد عكس عمق العلاقات الأخوية، بعدما قاد ولي العهد السعودي سيارته وبجواره الرئيس المصري، في لفتة حملت دلالات رمزية على متانة العلاقات بين البلدين.
وفي اليوم ذاته، عقد الفريق مهندس كامل الوزير، نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية وزير الصناعة والنقل، وأمين عام مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي عن الجانب المصري، اجتماعًا مع الدكتور محمد مزيد التويجري، أمين عام المجلس عن الجانب السعودي، وذلك في إطار تفعيل توجيهات قيادتي البلدين، ومواصلة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه بشأن المجلس الذي يمثل مظلة شاملة لتطوير وتعميق الشراكة الاستراتيجية المصرية السعودية.
وتؤكد هذه التحركات أن العلاقات بين القاهرة والرياض تتجاوز حدود التعاون التقليدي، لتشكل شراكة متكاملة تستند إلى التاريخ والمصالح المشتركة، وتستشرف مستقبلًا أكثر تنسيقًا وتكاملًا في مواجهة التحديات التي تواجه المنطقة والعالم.
