حين ضاقت البيوت واتسعت الفوضى .. تأملات في عمارة الأمس ومدن اليوم
كتبت نجوى فياض ......
هناك أشياء لا ندرك قيمتها إلا بعد أن تختفي
ومن بينها بيوت كانت تتسع لأهلها دون أن تشعرهم بالضيق وشوارع كان يمكن للإنسان أن يمشي فيها دون أن يزاحمه الزحام وواجهات تحمل ملامح أصحابها ومدينة كان لها شكل يمكن أن نتذكره حتى بعد سنوات طويلة
ربما لهذا كلما مررنا أمام بيت قديم شعرنا بشيء من الحنين حتى لو لم نعش فيه
فما الذي كان يميز عمارة الأمس؟
لم تكن البيوت القديمة بالضرورة أفخم أو أكثر تكلفة لكنها كانت في كثير من الأحيان أكثر رحابة واهتمامًا بالتفاصيل كانت الغرف أوسع والأسقف أعلى والنوافذ تسمح بدخول الضوء والهواء والبلكونات مساحة حقيقية وليست مجرد امتداد ضيق للواجهة
وكان هناك شيء آخر أكثر أهمية : التناسب
كان البيت يتناسب مع الشارع والشارع يتناسب مع الحي والحي جزءًا من مدينة لها ملامحها
أما اليوم فقد تبدو الصورة مختلفة في كثير من المناطق عمائر ترتفع إلى جوار مبانٍ منخفضة وواجهات تختلف في الألوان والأشكال ومساحات سكنية تتقلص أمام ارتفاع أسعار الأرض وشوارع تزدحم بما يفوق قدرتها على الاستيعاب
لم يعد السؤال أحيانًا : كيف نصنع مكانًا مريحًا للإنسان؟ وإنما : كيف نستغل المساحة المتاحة إلى أقصى درجة؟
وهنا تظهر المشكلة
فالعمارة ليست مجرد عملية حسابية بين مساحة الأرض وعدد الوحدات إنها في النهاية فن تشكيل الحياة
المعماري المصري حسن فتحي كان من أكثر من أدركوا هذه العلاقة فقد انطلق في مشروعه الفكري من أن العمارة يجب أن ترتبط بالإنسان واحتياجاته والبيئة التي يعيش فيها وهو ما ظهر بوضوح في كتابه ( عمارة الفقراء ) وتجربته في البحث عن مسكن ملائم للناس وإمكانات المكان
فالبيت الذي لا يمنح الإنسان ضوءًا كافيًا ولا هواءً ولا خصوصية قد يكون صالحًا للسكن من الناحية الهندسية لكنه يظل ناقصًا من الناحية الإنسانية
والأمر نفسه ينطبق على الشارع
شارع الأمس لم يكن مجرد مساحة بين مبنيين كان مكانًا للحياة شرفة تطل عليه وبائع يعرف سكان المنطقة وأطفال يلعبون وجيران يتبادلون التحية وأشجار تمنح المارة ظلًا وشيئًا من الهدوء
أما كثير من شوارع اليوم فقد تحولت إلى سباق دائم بين السيارات والمارة وبين البناء والبناء وبين احتياجات المدينة المتزايدة ومساحاتها المحدودة
ولم تتغير العمارة وحدها بل تغير الإنسان معها
فكما أصبحت البيوت أكثر ازدحامًا أصبحت الحياة نفسها أكثر ازدحامًا وكما فقدت بعض الشوارع هدوءها فقد الإنسان جزءًا من هدوئه
حتى الأناقة تبدلت
كان الاهتمام بالمظهر في الماضي حاضرًا في تفاصيل كثيرة من الحياة الرجل يختار ملابسه بعناية والمرأة تهتم بتفاصيل أناقتها والبيت له نظام والأثاث له روح والواجهة لها شكل يميزها
وليس معنى ذلك أن الناس قديمًا كانوا جميعًا أكثر أناقة أو أن الحاضر خالٍ من الذوق والجمال لكن إيقاع الحياة نفسه كان أكثر بطئًا وكان يمنح الإنسان فرصة أكبر للاهتمام بالتفاصيل
أما الآن فقد أصبح كل شيء سريعًا نبني بسرعة ننتقل بسرعة نستهلك بسرعة ونبحث عن حلول سريعة لمشكلات تتراكم منذ سنوات
وربما كان هذا أحد أسباب فقدان بعض مدننا لجزء من جمالها
فالحداثة لا تعني أن نهدم كل ما هو قديم ولا أن نملأ السماء بالعمائر دون تخطيط الحداثة الحقيقية هي أن نأخذ من الماضي ما نجح ومن الحاضر ما يفيد ثم نبني للمستقبل مدينة تحترم الإنسان
نحن لا نحتاج إلى العودة إلى الماضي بقدر ما نحتاج إلى استعادة بعض القيم التي كانت موجودة فيه : التناسق، والراحة والنظام والاهتمام بالتفاصيل
فالمبنى قد يكون حديثًا جدًا لكنه بلا روح
والمدينة قد تكون مليئة بالمباني لكنها فقيرة في الجمال
والبيت قد يكون صغيرًا لكنه قادر على أن يمنح أهله دفءً حقيقيًا إذا صُمم بعناية
وفي النهاية ليست القضية أن نقول إن ( زمان كان أفضل ) ونغلق الحديث
القضية أن نسأل أنفسنا بصدق : ماذا نريد من المدن التي نبنيها؟
هل نريد مدنًا ترتفع إلى أعلى فقط؟ أم مدنًا تجعل الإنسان يشعر بأنه يعيش فيها لا أنه محاصر بداخلها؟
فالأبنية يمكن أن تتغير والشوارع يمكن أن تتوسع والمدن يمكن أن تتطور لكن هناك شيئًا يجب ألا نفقده وسط كل هذا التغيير :
أن تظل العمارة في خدمة الإنسان لا أن يتحول الإنسان إلى مجرد رقم داخل مخطط عمراني
وربما لهذا السبب حين نرى بيتًا قديمًا جميلًا لا نعجب بجدرانه فقط وإنما نشعر أنه يحكي لنا شيئًا عن زمن كان يرى في البيت أكثر من مكان للسكن وفي الشارع أكثر من طريق للعبور وفي الجمال أكثر من رفاهية
فحين ضاقت البيوت واتسعت الفوضى لم تتغير ملامح مدننا وحدها .. بل تغيرت علاقتنا بالمكان وربما بأنفسنا أيضًا
