بوابة النور الاخبارية

التفاوض.. حين تصبح الكلمة طريقًا إلى الحل

الأحد 27 سبتمبر 2026 07:52 مـ 14 ربيع آخر 1448 هـ
التفاوض.. حين تصبح الكلمة طريقًا إلى الحل

كتبت نجوى فياض.....

ليس كل اختلاف معركة، وليس كل خلاف يحتاج إلى طرف ينتصر وآخر ينهزم. ففي كثير من الأحيان، تكون المسافة بين الخلاف والاتفاق مجرد كلمة قيلت في الوقت المناسب، أو فكرة طُرحت بطريقة مختلفة، أو قدرة على الاستماع جعلت كل طرف يرى الصورة من زاوية الآخر.
من هنا يبدأ فن التفاوض.
التفاوض ليس أن تحصل على كل ما تريد، وليس أن تدفع الطرف الآخر إلى التراجع، وإنما أن تبحث عن مساحة مشتركة يمكن أن يلتقي فيها اختلافكما دون أن يتحول إلى صراع.
ولأن الإنسان يعيش وسط مجموعة لا تنتهي من المصالح والرغبات والمواقف المختلفة، أصبح التفاوض جزءًا من الحياة اليومية. قد نمارسه في العمل دون أن نسميه تفاوضًا، وفي الأسرة، وفي العلاقات، وفي إدارة الخلافات، وحتى في أبسط تفاصيل حياتنا.
لكن المشكلة أن البعض يدخل أي حوار بعقلية المواجهة؛ يريد أن يثبت أنه صاحب الرأي الصحيح، وأن يجعل الطرف الآخر يتراجع. وهنا يتحول الحوار من وسيلة للوصول إلى الحل إلى معركة لإثبات من الأقوى.
أما المفاوض الحقيقي، فيعرف أن القوة ليست في أن تفرض رأيك، وإنما في أن تجعل الوصول إلى الحل ممكنًا.
وأول طريق التفاوض هو الاستماع.
فالذي لا يستمع لا يستطيع أن يتفاوض، لأنه لا يعرف ما الذي يريده الطرف الآخر، ولا ما الذي يخشاه، ولا ما الذي يمكن أن يقبله أو يرفضه. والاستماع الجيد لا يعني مجرد انتظار انتهاء الآخر من الكلام، وإنما محاولة فهم ما وراء الكلمات.
وقد يكون الخلاف في ظاهره كبيرًا، بينما يكون جوهره بسيطًا، لكننا لا نكتشف ذلك إلا عندما نتوقف عن الدفاع عن أنفسنا ونبدأ في فهم الطرف المقابل.
وفي المجال السياسي، تبدو أهمية التفاوض أكثر وضوحًا؛ لأن العمل السياسي بطبيعته يقوم على تعدد الرؤى والمصالح والحاجة إلى الوصول إلى مساحات مشتركة.
وفي هذا الإطار، تحدث المهندس حسام علي، نائب رئيس حزب الوعي، عن أهمية تفاوض الأحزاب وتنسيق مواقفها، في سياق الحديث عن الوصول إلى تمثيل سياسي أوسع. وهذه الرؤية تكشف أن التفاوض ليس تراجعًا عن المبدأ، وإنما يمكن أن يكون وسيلة لتنظيم الاختلاف وتحويله إلى مساحة للحوار والتنسيق.
والتفاوض الناجح يحتاج قبل كل شيء إلى أن يعرف الإنسان ماذا يريد. فالدخول إلى أي تفاوض دون تحديد الهدف يشبه السير في طريق لا نعرف نهايته. يجب أن نعرف ما الذي يمكن التمسك به، وما الذي يمكن أن يكون محل نقاش، وما البدائل المتاحة إذا لم يتحقق الاتفاق.
وهنا تظهر أهمية المرونة.
فالمرونة لا تعني الضعف، كما أن التمسك بالموقف لا يعني دائمًا القوة. أحيانًا يكون الذكاء في أن تتراجع خطوة لتحافظ على هدف أكبر، وأحيانًا يكون التنازل عن تفصيلة صغيرة هو الطريق إلى الحفاظ على اتفاق كامل.
لكن هناك فرقًا بين التنازل الذكي والتنازل تحت الضغط.
الأول قرار محسوب، أما الثاني فقد يتحول مع الوقت إلى شعور بالظلم والندم. ولهذا فإن المفاوض الناجح لا يتخذ قراراته تحت تأثير الغضب أو الخوف، وإنما يحاول أن يحتفظ بهدوئه مهما كان الطرف الآخر مستفزًا.
فالهدوء في التفاوض ليس مجرد أسلوب راقٍ، وإنما وسيلة لحماية القرار.
ومن أهم عناصر نجاح التفاوض أيضًا الثقة. فلا يمكن لاتفاق أن يعيش طويلًا إذا كان قائمًا على الشك والخداع. قد ينجح الإنسان في الحصول على شيء بالمراوغة مرة، لكنه يخسر بذلك فرصًا كثيرة في المستقبل.
ولهذا فإن أفضل مفاوض هو من يفكر في ما بعد الاتفاق، وليس فقط في لحظة الوصول إليه.
وفي النهاية، ربما يكون أجمل ما نتعلمه من فن التفاوض أن الاختلاف ليس نهاية الطريق. يمكن أن نختلف ونظل قادرين على الحوار، وأن نتمسك بحقوقنا دون أن نلغي حقوق الآخرين، وأن نقول «لا» دون أن نحولها إلى خصومة.
فالحياة لا تمنحنا دائمًا ما نريد، لكنها تمنحنا فرصة لأن نتعلم كيف نصل إلى ما نريد بطريقة أكثر وعيًا.
والتفاوض في جوهره ليس فن الكلام فقط، وإنما فن إدارة الاختلاف؛ أن تعرف متى تتحدث، ومتى تستمع، ومتى تتمسك، ومتى تكون مرنًا، ومتى تدرك أن الحفاظ على العلاقة قد يكون أهم من الانتصار في نقاش عابر.
لذلك، فإن النجاح الحقيقي في التفاوض ليس أن يخرج أحد الطرفين مهزومًا، وإنما أن يجد الطرفان طريقًا يمكن السير فيه معًا.
فحين تصبح الكلمة وسيلة للفهم، يتحول الاختلاف من مشكلة إلى فرصة، ويصبح التفاوض فنًا من فنون الحياة