الولد يرفع الراس والبنت عِبء».. ليه لسه بنقيس قيمة الست بجنس مولودها؟
كتبت:إيمان خالد خفاجي
من زمان، ارتبطت نظرة بعض المجتمعات إلى قيمة الأسرة بفكرة إنجاب الأولاد، فكان المولود الذكر يُستقبل بالزغاريد والفرحة والتهاني، بينما تُقابل ولادة البنت أحيانًا بنظرات مختلفة، وكأنها خبر أقل قيمة أو مناسبة لا تستحق نفس الاحتفال.
ورغم أن الزمن تغيّر، وتطورت المجتمعات، وأصبحت المرأة شريكة أساسية في التعليم والعمل والإنتاج وصناعة القرار، فإن بعض الأفكار القديمة ما زالت حاضرة حتى اليوم، تتوارثها الأجيال دون أن يسأل البعض نفسه: لماذا ما زلنا نقيس قيمة المرأة بعدد الأولاد الذكور الذين أنجبتهم؟ ولماذا يُنظر إلى الأم التي أنجبت ولدًا باعتبارها «محظوظة»، بينما قد تشعر أم أخرى بالانتقاص لمجرد أنها أنجبت بنتًا؟
المشكلة هنا ليست في حب الأبناء أو الفخر بهم، فكل أم وأب من حقهما أن يفرحا بأبنائهما، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الفرح بالولد إلى تقليل من قيمة البنت، أو عندما تصبح الأم نفسها موضع تقييم اجتماعي بناءً على جنس أطفالها.
«جابت ولد».. جملة تختصر سنوات من التفكير القديم
في بعض البيوت، لا تزال عبارة «جابت ولد» تحمل معنى الاحتفال والانتصار، وكأن الأسرة حصلت على شهادة نجاح، بينما قد تمر ولادة البنت بهدوء أقل، أو تُقال عبارات من نوع «المرة الجاية ربنا يرزقك بولد».
وقد تبدو هذه العبارات للبعض بسيطة أو عابرة، لكنها في الحقيقة تكشف عن فكرة أعمق: أن الولد يُنظر إليه باعتباره امتدادًا للعائلة، وحاملًا للاسم، وسندًا لوالديه، بينما تُعامل البنت أحيانًا باعتبارها «ستتزوج وتذهب إلى بيت زوجها».
هذه النظرة تجعل بعض الأسر تنظر إلى الأبناء بمنطق مختلف، رغم أن الواقع أثبت أن الابن والبنت قادران على تقديم الدعم والرعاية والنجاح، وأن العلاقة الإنسانية بين الأبناء ووالديهم لا يحددها جنس الطفل.
عندما تتحول البنت إلى «سبب للمعايرة»
الأخطر من الاحتفال بالولد هو أن تتحول البنت إلى مادة للمقارنة أو المعايرة.
قد تسمع طفلة داخل بيتها عبارات تجعلها تشعر، حتى وهي صغيرة، بأنها أقل قيمة من شقيقها الذكر. وقد تجد نفسها أمام قواعد مختلفة: الولد له حرية أكبر، والفتاة عليها قيود أكثر، الولد «راجل» يُسمح له بما لا يُسمح لها به، والبنت مطالبة دائمًا بإثبات أنها تستحق الثقة.
ومع مرور السنوات، قد تتحول هذه الرسائل الصغيرة إلى قناعة داخلية لدى الفتاة بأنها بالفعل أقل أهمية، أو أن قيمتها مرتبطة بمدى رضا الآخرين عنها.
وهنا تظهر خطورة التربية القائمة على التمييز بين الجنسين، لأنها لا تؤذي البنت فقط، بل تؤثر أيضًا في الولد، الذي قد يكبر وهو يعتقد أن له امتيازات لمجرد كونه ذكرًا.
لماذا ما زالت الفكرة موجودة؟
هناك أسباب اجتماعية وثقافية كثيرة ساهمت في استمرار هذه النظرة، من بينها العادات الموروثة، وبعض المفاهيم القديمة عن دور الرجل والمرأة، والخوف من المستقبل، والاعتقاد بأن الولد هو السند الحقيقي للأسرة.
كما أن بعض الأسر لا تتعامل مع هذه الأفكار باعتبارها تمييزًا، بل باعتبارها «عادات» أو «كلام ناس».
وهنا تكمن المشكلة؛ لأن بعض العادات تستمر فقط لأنها لم تخضع للنقاش.
ليس كل ما ورثناه عن الأجيال السابقة يجب أن يستمر إلى الأبد. فالمجتمع يتغير، واحتياجات الأسرة تتغير، ودور المرأة تغير، وطبيعة الحياة نفسها تغيرت.
البنت ليست خسارة.. والولد ليس ضمانًا
من أكثر الأفكار التي تحتاج إلى مراجعة الاعتقاد بأن الولد يضمن للأهل المستقبل، بينما البنت ستكون في النهاية مسؤولة عن بيت زوجها.
الحياة اليومية تثبت أن العلاقة بين الأبناء والآباء لا تسير بهذه القاعدة.
هناك أبناء ذكور يبتعدون عن أسرهم، وهناك بنات يقفن بجوار آبائهن وأمهاتهن في أصعب الظروف. وهناك أبناء وبنات ينجحون ويفشلون، يعطون ويقصرون، يساندون ويبتعدون.
إذن المسألة ليست «ولد أم بنت»، وإنما الإنسان الذي نربيه.
إذا ربينا أبناءنا على المسؤولية والرحمة والاحترام، فمن الممكن أن يكون الابن أو الابنة سندًا حقيقيًا للأسرة.
المرأة ليست «ناجحة» لأنها أنجبت ولدًا
من أكثر الصور التي تحتاج إلى التغيير أيضًا، أن يتم تقييم المرأة من خلال جنس أطفالها.
فالمرأة ليست أكثر قيمة لأنها أنجبت ولدًا، وليست أقل قيمة لأنها أنجبت بنتًا.
الأمومة في حد ذاتها مسؤولية كبيرة، وتربية طفل صالح ليست مسابقة بين الأمهات، كما أن جنس المولود ليس إنجازًا شخصيًا يمكن أن تُقاس به مكانة المرأة.
والأغرب أن بعض النساء أنفسهن يشاركن أحيانًا في تكريس هذه الفكرة، عندما تتفاخر إحداهن بأنها أنجبت عددًا من الأولاد، أو تنظر إلى أم أخرى باعتبارها «أقل حظًا» لأنها أنجبت بنات فقط.
وهنا يجب أن ندرك أن المرأة التي تكرس هذه الفكرة ضد امرأة أخرى تساهم، من حيث لا تشعر، في استمرار النظرة التي عانت منها النساء لسنوات طويلة.
«الولد عزوة».. ولكن البنت أيضًا عزوة
لا توجد مشكلة في أن يشعر الأب أو الأم بالفخر بابنهما، لكن المشكلة في تحويل ذلك إلى قاعدة عامة تقول إن الولد وحده هو العزوة.
البنت يمكن أن تكون عزوة، وسندًا، ونجاحًا، وفخرًا، وسببًا في إسعاد أسرتها.
وقد يكون أجمل ما يمكن أن تقدمه الأسرة لابنتها هو أن تكبر وهي لا تشعر يومًا أنها كانت «النوع الخطأ» من الأطفال.
أن تعرف أنها لم تأتِ إلى الدنيا لتعتذر عن كونها بنتًا، وأن نجاحها لا يحتاج إلى أن يشبه نجاح أخيها، وأن قيمتها ليست مرتبطة بزواجها أو إنجابها أو قدرتها على إرضاء المجتمع.
السؤال الأهم: رايحين بينا على فين؟
في الوقت الذي تتحدث فيه المجتمعات عن تمكين المرأة، وعن حق الفتيات في التعليم والعمل وتحقيق الذات، لا يزال من الضروري أن نراجع الأفكار الموجودة داخل البيوت نفسها.
التغيير الحقيقي لا يبدأ فقط من القوانين والمؤسسات، وإنما يبدأ من جملة يقولها أب لابنته، ومن طريقة تعامل أم مع أبنائها، ومن نظرة الأسرة إلى المولود الجديد.
علينا أن نتوقف عن سؤال الأم: «جبتِ ولد ولا بنت؟» وكأن الإجابة تحدد قيمة المولود.
السؤال الأهم يجب أن يكون: «الأم والطفل بخير؟».
فالطفل، سواء كان ولدًا أو بنتًا، لم يختر جنسه، ولم يطلب أن يولد وسط مقارنة أو منافسة.
وفي النهاية، ربما آن الأوان لأن نخرج من فكرة «الولد عزوة والبنت مالهاش لازمة»، ونصل إلى فكرة أبسط وأكثر إنسانية: كل طفل يأتي إلى الدنيا يستحق أن يُستقبل بالحب نفسه، وأن يحصل على الفرصة نفسها، وأن يُقاس بما يقدمه كإنسان، لا بما يحمله من جنس.
فالسؤال الحقيقي ليس: «ولد ولا بنت؟»..
السؤال هو: «إحنا هنربي إنسان إزاي؟»
ومن هنا يبدأ التغيير الحقيقي.
فإما أن نواصل توريث أفكار قديمة لأبنائنا، أو نكون نحن الجيل الذي يقرر أن يكسر هذه الدائرة، حتى لا تكبر بناتنا وهن يشعرن أنهن أقل من إخوتهن، ولا يكبر أبناؤنا وهم يعتقدون أن كونهم ذكورًا يمنحهم قيمة أكبر من غيرهم.
رايحين بينا على فين؟ ربما الإجابة تبدأ من داخل بيوتنا.
