بوابة النور الاخبارية

قرية إيطالية تحير العلماء.. ما سر وصول نسائها إلى عمر المئة عام؟

الأربعاء 14 أكتوبر 2026 03:37 مـ 2 جمادى أول 1448 هـ

كتبت/هينار ثروت

تلفت بعض القرى الإيطالية الأنظار بارتفاع أعمار عدد من سكانها، خاصة النساء اللاتي تجاوزن حاجز المئة عام، وهو ما يثير اهتمام الباحثين والمهتمين بالصحة والتغذية، في محاولة لفهم العوامل التي قد تساعد الإنسان على الاحتفاظ بحيويته والتمتع بحياة أطول وأكثر صحة.

ولا يرتبط طول العمر بعامل واحد يمكن الاعتماد عليه وحده، بل يتداخل فيه عدد من الجوانب، من بينها العوامل الوراثية، وطبيعة النظام الغذائي، ومستوى النشاط البدني، والعلاقات الاجتماعية، وجودة الرعاية الصحية. ولهذا أصبحت المناطق التي تضم أعدادًا ملحوظة من كبار السن مجالًا للاهتمام والدراسة، بحثًا عن أنماط الحياة التي قد تساهم في الحفاظ على الصحة مع التقدم في العمر.

نمط الحياة في القرى الإيطالية

تتميز الحياة في عدد من القرى الإيطالية بطابع اجتماعي واضح، إذ تظل الروابط العائلية حاضرة في الحياة اليومية، ويحرص كثير من السكان على التواصل مع الأقارب والجيران والمشاركة في المناسبات المحلية. وقد تساعد هذه العلاقات على تقليل الشعور بالعزلة، الذي يرتبط لدى كبار السن بتحديات نفسية وصحية متعددة.

كما تتيح طبيعة بعض المناطق الريفية فرصًا للحركة اليومية، سواء من خلال المشي أو ممارسة الأنشطة المنزلية أو الاهتمام بالحدائق والأعمال البسيطة. وعلى الرغم من أن هذه الأنشطة لا تُعد بديلًا عن ممارسة الرياضة المنتظمة، فإن الحركة المستمرة تساعد على الحفاظ على اللياقة والقدرة على أداء المهام اليومية.

ويختلف نمط الحياة من قرية إلى أخرى، لذلك لا يمكن تعميم تجربة منطقة بعينها على جميع سكان إيطاليا، أو اعتبارها دليلًا قاطعًا على أن أسلوب حياة واحدًا يفسر وصول النساء إلى أعمار تتجاوز المئة عام.

النظام الغذائي.. عنصر مهم في رحلة العمر الطويل

يُعد النظام الغذائي المتوسطي من أبرز الأنماط المرتبطة بالدراسات التي تناولت طول العمر في مناطق إيطالية، خاصة في صقلية وسردينيا. ويعتمد هذا النظام على الخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب وزيت الزيتون، مع تناول الأسماك والحد من الإفراط في اللحوم المصنعة والأطعمة الغنية بالدهون المشبعة.

وأشارت دراسة تناولت سكانًا من المناطق الجبلية في صقلية إلى وجود نسبة ملحوظة من المعمرين، كما رصدت التزامًا واضحًا بالنمط الغذائي المتوسطي لدى المشاركين. ومع ذلك، فإن نتائج هذه الدراسات لا تثبت أن الطعام وحده هو المسؤول عن طول العمر، إذ تتداخل معه عوامل وراثية وبيئية واجتماعية متعددة. 

ويمنح تناول الأطعمة المتنوعة الجسم عناصر غذائية مهمة، مثل الفيتامينات والمعادن والألياف، التي تدعم وظائف الجسم وتساعد على الحفاظ على صحة القلب والجهاز الهضمي. كما أن تقليل الأطعمة فائقة التصنيع والحد من الإفراط في السكر والملح قد يساعدان على تقليل مخاطر بعض الأمراض المزمنة.

ولا يعني ذلك ضرورة اتباع حمية صارمة، بل يمكن الاستفادة من المبادئ الأساسية لهذا النظام من خلال إدخال الخضراوات إلى الوجبات اليومية، واستخدام زيت الزيتون باعتدال، وتناول البقوليات بانتظام، مع الاهتمام بتنوع مصادر البروتين.

الحركة اليومية والعلاقات الاجتماعية

لا تقتصر العوامل المرتبطة بالشيخوخة الصحية على الطعام، فالنشاط البدني المنتظم يلعب دورًا مهمًا في الحفاظ على قوة العضلات والتوازن والقدرة على الحركة. وقد تشمل الأنشطة المناسبة المشي، والأعمال المنزلية، وتمارين التوازن والقوة وفقًا للحالة الصحية لكل شخص.

وتساعد الحركة المنتظمة كبار السن على الاحتفاظ بقدر أكبر من الاستقلالية في أداء مهامهم اليومية، بينما يمكن أن يسهم الجلوس لفترات طويلة وقلة النشاط في تراجع اللياقة بمرور الوقت.

وتحظى العلاقات الاجتماعية كذلك باهتمام متزايد في أبحاث الشيخوخة، إذ يوفر التواصل مع الأسرة والأصدقاء شعورًا بالانتماء والدعم، ويمنح الحياة اليومية معنى وهدفًا. وفي المجتمعات التي تحافظ على الروابط بين الأجيال، قد يظل كبار السن جزءًا فعالًا من الحياة العائلية والاجتماعية، بدلًا من الانعزال بسبب التقدم في العمر.

هل يمكن للجميع الوصول إلى عمر المئة؟

رغم الاهتمام المتزايد بتجارب المعمرين في إيطاليا، فإن بلوغ المئة ليس نتيجة وصفة واحدة أو عادة منفردة. فالجينات تؤدي دورًا، كما تؤثر الظروف المعيشية والرعاية الصحية والتاريخ المرضي ومستوى الدخل والبيئة المحيطة في فرص العيش لفترة أطول.

وتشير الأبحاث الحديثة إلى وجود اختلافات بين المناطق الإيطالية في مؤشرات طول العمر، وهو ما يدعم أهمية دراسة مجموعة من العوامل بدلًا من البحث عن سبب واحد فقط. كما أن الارتباط بين نمط حياة معين وطول العمر لا يعني بالضرورة أن هذا النمط هو السبب المباشر في كل حالة. 

ومن المهم أيضًا التفرقة بين طول العمر والشيخوخة الصحية؛ فالأمر لا يتعلق بعدد السنوات فقط، بل بمدى قدرة الإنسان على الحركة والتفكير والتواصل وممارسة أنشطته اليومية بأفضل حالة ممكنة.

وتقدم القرى الإيطالية التي تضم أعدادًا من المعمرين فرصة لفهم العلاقة بين التغذية والحركة والروابط الاجتماعية والعوامل الوراثية. أما الدرس الأهم، فهو أن الاهتمام بالصحة يبدأ من العادات اليومية المتوازنة، مع الحصول على الفحوص الطبية المناسبة، والنوم الجيد، والابتعاد عن التدخين، وعدم إهمال الأمراض المزمنة.

وفي النهاية، قد لا تضمن هذه العادات الوصول إلى عمر المئة، لكنها تساعد على دعم الصحة وتحسين جودة الحياة مع التقدم في العمر، وهو هدف لا يقل أهمية عن عدد السنوات التي يعيشها الإنسان.