فيلم لم يكتمل وشركة اختفت سريعًا.. أسرار تجربة النجوم الثلاثة
كتبت/هينار ثروت
تحمل ذاكرة السينما المصرية حكايات كثيرة عن تجارب إنتاجية بدأت بأحلام كبيرة، لكنها لم تصل جميعها إلى شاشات العرض، رغم ما امتلكته من أفكار وطموحات. ومن بين هذه الحكايات قصة «شركة النجوم الثلاثة»، التي ارتبط اسمها بثلاثة فنانين ومبلغ 12 ألف جنيه، وفيلم لم ير النور، لتبقى التجربة واحدة من القصص التي تستحق التوقف أمامها عند استعادة تاريخ صناعة السينما في مصر.
وتكشف مثل هذه التجارب جانبًا مختلفًا من حياة الفنانين، بعيدًا عن الأضواء والنجاحات التي يعرفها الجمهور، إذ لم يكن التمثيل وحده طريقًا لتحقيق الطموحات الفنية، بل اتجه بعض الفنانين إلى التفكير في الإنتاج والمشاركة في تأسيس كيانات خاصة، أملاً في تقديم أعمال تعبر عن رؤيتهم وتمنحهم مساحة أكبر للتحكم في اختياراتهم.
أحلام الإنتاج ومغامرات الفنانين
لم يكن دخول الفنانين مجال الإنتاج أمرًا غريبًا على تاريخ السينما المصرية، فقد سعى عدد من النجوم إلى تأسيس شركات إنتاج أو المشاركة في تمويل الأفلام، بهدف تقديم مشروعات جديدة أو توفير فرص فنية لأنفسهم ولزملائهم. وكانت هذه الخطوات تحمل في كثير من الأحيان طموحًا يتجاوز المكسب المادي، إذ ارتبطت بالرغبة في صناعة أعمال تترك أثرًا لدى الجمهور.
لكن الإنتاج السينمائي يظل مجالًا تحكمه حسابات كثيرة، تبدأ من اختيار القصة والسيناريو، مرورًا بتجميع فريق العمل وتوفير الميزانية، وصولًا إلى التصوير والتوزيع والعرض التجاري. وقد تتعثر أي مرحلة من هذه المراحل لأسباب مالية أو فنية أو تنظيمية، وهو ما يجعل تحويل الفكرة إلى فيلم مكتمل مهمة تحتاج إلى تخطيط دقيق وإمكانات مناسبة.
وفي هذا السياق، تبرز حكاية شركة النجوم الثلاثة باعتبارها تجربة مرتبطة بمبلغ 12 ألف جنيه وثلاثة فنانين، إلى جانب مشروع سينمائي لم يصل إلى مرحلة العرض. ويمنح هذا الجانب من القصة أهمية خاصة، لأنه يسلط الضوء على الفارق بين الحلم الذي يبدأ به المشروع والظروف التي قد تحول دون اكتماله.
لقاء جمع رشدي أباظة وفريد شوقي
بدأت الحكاية خلال أحد أيام تصوير فيلم «العيب»، عندما التقى الفنان رشدي أباظة بصديقه فريد شوقي، وتبادلا الحديث عن السينما والمشروعات التي يمكن أن تجمعهما في عمل جديد. وجاءت الفكرة بعد النجاح الذي حققه الاثنان في فيلم «طريق الشيطان»، ما شجعهما على التفكير في خوض تجربة الإنتاج المشترك بدلًا من الاكتفاء بالمشاركة في الأعمال التي تنتجها شركات أخرى.
وبعد عودته إلى منزله، تواصل رشدي أباظة مع الفنانة نادية لطفي، وأخبرها بالفكرة، فأبدت استعدادها للمشاركة في المشروع. وفي اليوم التالي، اجتمع النجوم الثلاثة داخل شقة رشدي أباظة، بحضور المحامي لبيب معوض، لإتمام إجراءات تأسيس الشركة الجديدة، التي اختاروا لها اسم «النجوم الثلاثة».
وبلغ رأس مال الشركة 12 ألف جنيه، وهو المبلغ الذي وضعه الفنانون الثلاثة في بداية مغامرتهم، على أمل إنتاج أفلام تجمع بينهم وتمنحهم فرصة لتقديم أعمال يختارون موضوعاتها بأنفسهم.
خلاف مع الموزع يهدد المشروع
بعد تأسيس الشركة، بدأ الفنانون البحث عن سيناريو مناسب ليكون أول إنتاج سينمائي لهم. ومع اختيار العمل، ظهرت الحاجة إلى الاتفاق مع موزع يتولى عرضه، باعتبار التوزيع خطوة أساسية لضمان وصول الفيلم إلى دور السينما.
وعُقد اجتماع بين النجوم الثلاثة وأحد الموزعين في مكتب رشدي أباظة، لكن المفاوضات لم تسر كما توقعوا. فبحسب الرواية المنشورة عن الواقعة، لم تقتصر شروط الموزع على الجوانب المالية والإنتاجية، بل امتدت إلى تفاصيل فنية خاصة بالعمل، وهو ما أثار غضب رشدي أباظة.
وتحول الاجتماع إلى مشادة حادة، بعدما رفض أباظة تدخل الموزع في القرارات الفنية، معتبرًا أن مسؤولية اختيار تفاصيل العمل يجب أن تظل في يد صناع الفيلم. وتصاعد الموقف إلى اشتباك، ما دفع فريد شوقي ونادية لطفي إلى التدخل لفض الخلاف، قبل أن يغادر الموزع المكان.
وعقب انتهاء الواقعة، تبادل الفنانون الثلاثة النظرات، ثم انفجروا في الضحك، وفقًا لما ورد في الرواية التي تناولت هذه الحكاية من كواليس السينما المصرية.
6 آلاف جنيه تنهي حلم الشركة
لم يكن الخلاف مع الموزع وحده هو ما انتهى عنده المشروع، إذ مرت الشهور دون أن تتمكن الشركة من تنفيذ فيلمها الأول. وانشغل النجوم الثلاثة باللقاءات والسهرات وإقامة الحفلات للأصدقاء، بينما ابتعدت الشركة تدريجيًا عن الهدف الذي تأسست من أجله.
وبعد عدة أشهر، اكتشف الفنانون أن رأس المال الذي بدأ بـ12 ألف جنيه لم يتبق منه سوى 6 آلاف جنيه، فقرروا اقتسام المبلغ المتبقي، لتنتهي تجربة «النجوم الثلاثة» قبل إنتاج أي فيلم.
وهكذا، لم تتحول الفكرة التي جمعت رشدي أباظة وفريد شوقي ونادية لطفي إلى عمل سينمائي يشاهده الجمهور، رغم الأسماء الكبيرة التي وقفت وراءها. وبقيت الشركة حكاية من حكايات الزمن الجميل، تكشف أن اجتماع النجومية والصداقة والحماس لا يضمن بالضرورة نجاح المشروعات الفنية.
وتحمل القصة جانبًا من طبيعة صناعة السينما، التي تحتاج إلى إدارة دقيقة للميزانية، واتفاقات واضحة بين المنتجين والموزعين، والتزام بخطة تضمن انتقال المشروع من مرحلة الفكرة إلى التصوير ثم العرض. كما تبرز أهمية الفصل بين العلاقات الشخصية ومتطلبات العمل، حتى لا تتوقف المشروعات قبل أن ترى النور.
ورغم أن «النجوم الثلاثة» لم تقدم فيلمًا واحدًا، فإن حكايتها ظلت حاضرة عند استعادة ذكريات الفنانين الذين شاركوا في تأسيسها، لتضيف فصلًا غير تقليدي إلى تاريخ رشدي أباظة وفريد شوقي ونادية لطفي، ثلاثة من أبرز الأسماء التي ارتبطت بتاريخ السينما المصرية.
