أحمد أبو الغيط يستعيد أسرار استراتيجية تحرير سيناء.. من نكسة 1967 إلى نصر أكتوبر
كتبت:إيمان خالد خفاجي
قدم أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، شهادة تاريخية استعرض خلالها محطات مفصلية في مسيرة الدولة المصرية، مستندًا إلى خبرته الدبلوماسية ومعاصرته حرب أكتوبر 1973، ثم توليه وزارة الخارجية خلال أحداث 30 يونيو 2013، كاشفًا عن ملامح الاستراتيجية السياسية والعسكرية التي مهدت لاستعادة سيناء، ودور القيادة السياسية والقوات المسلحة في مواجهة التحديات المصيرية.
وخلال كلمته بالندوة التثقيفية الـ44 للقوات المسلحة، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، ربط أبو الغيط بين تداعيات نكسة يونيو 1967، والاستعداد لمعركة التحرير، والتحركات الدبلوماسية التي صاحبتها، وصولًا إلى أحداث 30 يونيو ومشروعات التنمية التي تشهدها مصر.
وأكدت شهادته أهمية التكامل بين العمل العسكري والتحرك الدبلوماسي في إدارة الأزمات الكبرى، مستشهدًا بوثائق تاريخية ومواقف لقادة دوليين، من بينها حوار جمعه بوزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر بشأن قدرة مصر على تقديم قيادات مؤثرة في اللحظات الفارقة من تاريخها.
من نكسة يونيو إلى معركة التحرير.. بداية التخطيط لاستعادة سيناء
كشف أحمد أبو الغيط أن التخطيط لاستعادة الأراضي المصرية المحتلة بدأ في أعقاب حرب يونيو 1967، ولم ينتظر اندلاع حرب أكتوبر 1973، موضحًا أن الدولة شرعت منذ الأيام الأولى لوقف إطلاق النار في مراجعة الموقف السياسي والعسكري، ودراسة البدائل المتاحة لاسترداد الأرض.
وأشار إلى أنه كان دبلوماسيًا شابًا في بداية مسيرته المهنية، وشاهد عن قرب تعامل وزارة الخارجية المصرية مع تداعيات الهزيمة، وسعيها إلى الاستفادة من التجارب التاريخية السابقة في إدارة الصراع.
وأوضح أن تجربة العدوان الثلاثي عام 1956 مثلت إحدى المحطات المهمة التي استندت إليها الدبلوماسية المصرية، خاصة فيما يتعلق بتوظيف التحركات الدولية والضغوط السياسية لمواجهة الاحتلال، والاستفادة من الدروس المستخلصة في صياغة استراتيجية التحرك بعد نكسة يونيو.
استراتيجية متكاملة.. القوات المسلحة تستعد والدبلوماسية تتحرك دوليًا
أكد أبو الغيط أن استراتيجية استعادة سيناء اعتمدت على مسارين متوازيين، تمثل الأول في إعادة بناء القوات المسلحة واستعادة قدراتها القتالية، فيما ركز الثاني على التحرك السياسي والدبلوماسي داخل المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، لتأكيد الحقوق المصرية والعمل على إنهاء الاحتلال.
وشدد على أن المسارين العسكري والدبلوماسي لم يكونا منفصلين، بل عملا في إطار رؤية متكاملة استهدفت تغيير موازين القوى وتهيئة الظروف اللازمة لاستعادة الأرض.
وتبرز هذه الرؤية أهمية توظيف مختلف أدوات الدولة في إدارة الصراعات، إذ أسهم الاستعداد العسكري في دعم الموقف السياسي، بينما أتاح التحرك الدبلوماسي توظيف نتائج الحرب في المسار التفاوضي اللاحق.
مليون جندي تحت السلاح.. أبو الغيط يستعيد أجواء ما قبل حرب أكتوبر
استعاد الأمين العام لجامعة الدول العربية الظروف التي سبقت حرب أكتوبر، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المصرية، وما أعقبه من شعور بالتفوق العسكري الإسرائيلي بعد حرب يونيو 1967.
وقال أبو الغيط إن القيادة السياسية والعسكرية المصرية والشعب المصري قبلوا التحدي، مشيرًا إلى أن القوات المسلحة كانت تضم نحو مليون جندي تحت السلاح، وفقًا لما ذكره خلال كلمته.
وأضاف: «أرض محتلة، عدو إسرائيلي يتحرك وكأن الحياة دانت له»، مستعيدًا طبيعة المرحلة التي اتخذت فيها مصر قرار المواجهة والاستعداد لمعركة السادس من أكتوبر.
وأوضح أن الرئيس الراحل محمد أنور السادات تولى قيادة الدولة في مرحلة شديدة الحساسية، عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، ليواجه تحديًا تاريخيًا يتمثل في استعادة الأراضي المحتلة وإعادة الاعتبار للقدرة المصرية.
محضر 30 سبتمبر 1973.. وثيقة تكشف استعداد السادات لاتخاذ قرار الحرب
كشف أبو الغيط عن اطلاعه على محضر اجتماع مجلس الأمن القومي المصري المنعقد في 30 سبتمبر 1973، قبل أيام قليلة من اندلاع حرب أكتوبر، مؤكدًا أن الوثيقة عكست إرادة القيادة السياسية في مواجهة الاحتلال والاستعداد للقتال.
وقال: «أنا قريت محضر اجتماع مجلس الأمن القومي المصري في 30 سبتمبر 73، حفظته، شفت إرادة القتال والتصدي لهذا الرئيس، شفت العمل قد إيه كان عظيم».
وربط أبو الغيط بين موقف الرئيس الراحل أنور السادات ومواقف عدد من القادة التاريخيين الذين واجهوا تحديات مصيرية، مستشهدًا برئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل، والجنرال الفرنسي شارل ديجول، اللذين رفضا الاستسلام في ظروف بالغة الصعوبة.
وتعكس هذه الشهادة أهمية القرار السياسي في تهيئة الظروف للمواجهة العسكرية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا السيادة الوطنية واستعادة الأراضي المحتلة.
من أكتوبر 1973 إلى 30 يونيو 2013.. أبو الغيط يقارن بين محطتين مصيريتين
انتقل أبو الغيط في شهادته من أحداث حرب أكتوبر إلى 30 يونيو 2013، مستعرضًا تجربته الشخصية في معايشة المرحلتين، وما اعتبره تحديات جوهرية واجهت الدولة المصرية في كل منهما.
وأوضح أنه عاصر حرب أكتوبر وهو في الخامسة والعشرين من عمره، بينما تابع أحداث 30 يونيو من موقعه وزيرًا للخارجية، بعد مرور أربعة عقود، وهو ما أتاح له رؤية التطورات من زاويتين مختلفتين.
وقال: «إنقاذ مصر في أكتوبر، وأنا كنت مصري عندي 25 سنة وشفت المطحنة اللي إحنا كنا فيها، وبعد 40 سنة كنت وزيرًا للخارجية وشفت ما كان يهدد مصر».
ووجه أبو الغيط حديثه إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، قائلًا: «إذا كان الرئيس السادات قبل بالتحدي، فسيادتك قبلت التحدي مع هذه القوات المسلحة، مع هذا الشعب، في تخليص مصر من مأساة أخرى كانت بتعرض مستقبلها، وفي الحالتين كسبت مصر المستقبل».
وتعكس المقارنة التي طرحها رؤيته لأهمية دور القيادة السياسية والمؤسسات الوطنية في التعامل مع الأزمات، إذ ارتبط التحدي في أكتوبر باستعادة الأرض، بينما ربط أحداث 30 يونيو بالحفاظ على الدولة ومستقبلها.
حوار هنري كيسنجر.. شهادة عن القادة التاريخيين في مصر
استعاد أبو الغيط حوارًا جمعه بوزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، خلال فترة عمله مندوبًا لمصر لدى الأمم المتحدة، تناول فيه كيسنجر قدرة مصر على تقديم قيادات مؤثرة في اللحظات التاريخية الفارقة.
ونقل أبو الغيط عن كيسنجر قوله: «أنتم فيكم شيء عظيم؛ تفرزون دائمًا قادة تاريخيين؛ كان عندكم جمال عبد الناصر، وعندكم السادات».
وعلق أبو الغيط على هذه الشهادة قائلًا، مخاطبًا الرئيس السيسي: «كنت أتمنى أن يعيش ويقول: وعندكم عبد الفتاح السيسي».
وأشار الأمين العام لجامعة الدول العربية إلى أن تاريخ مصر شهد نماذج قيادية تعاملت مع ظروف استثنائية وواجهت تحديات سياسية وعسكرية كبرى.
وتكتسب هذه الرواية أهمية خاصة، باعتبارها شهادة ينقلها دبلوماسي مصري سابق عن أحد أبرز المسؤولين الذين شاركوا في صياغة السياسة الخارجية الأمريكية خلال حرب أكتوبر والمرحلة التي أعقبتها من مفاوضات.
من الدبلوماسية إلى التنمية.. مصر تستفيد من التجارب الآسيوية
امتدت شهادة أبو الغيط إلى مسار التنمية الاقتصادية وتعزيز مكانة مصر على الساحة الدولية، مستعرضًا خبراته وزياراته إلى عدد من الدول الآسيوية، وفي مقدمتها ماليزيا وإندونيسيا، وما حققته من تطور اقتصادي وعمراني.
وأشار إلى أهمية الاستفادة من التجارب التنموية الناجحة، في إطار سعي الدولة المصرية إلى تطوير بنيتها الأساسية وتعزيز قدراتها الاقتصادية وتحسين موقعها الإقليمي والدولي.
وتتقاطع هذه الرؤية مع التحركات الدبلوماسية المصرية لتعزيز العلاقات مع الدول الآسيوية، وتوسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري.
وتظل الاستفادة من هذه التجارب مرتبطة بقدرة مصر على تحويل التعاون الدولي إلى فرص استثمارية ومشروعات إنتاجية، بما يدعم النمو الاقتصادي ويرفع مستويات الإنتاجية والصادرات.
البنية الأساسية والصحة والتعليم.. أبرز محاور التنمية التي استعرضها أبو الغيط
أشاد أبو الغيط بالمشروعات التي نفذتها الدولة المصرية في قطاعات البنية الأساسية والخدمات، مشيرًا إلى التوسع في إنشاء الطرق والأنفاق، وتطوير المستشفيات والمنظومة الصحية، والتوسع في الجامعات ومؤسسات التعليم العالي.
واعتبر أن هذه المشروعات تمثل جزءًا من جهود تطوير قدرات الدولة وتعزيز بنيتها التحتية والخدمية، بما يدعم مسارات التنمية خلال السنوات المقبلة.
كما أعرب عن تقديره لتحمل الشعب المصري أعباء عملية البناء، مؤكدًا أن تحقيق التنمية يتطلب استمرار العمل والجهد والتفاني، وأن بناء الدولة وتعزيز قدرتها الاقتصادية مسار طويل يحتاج إلى مواصلة الجهود.
وتبرز هذه المحاور أهمية الربط بين الاستثمار في البنية الأساسية وتحسين جودة الخدمات، وبين توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية وتوفير فرص العمل، بما يعزز الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشروعات القومية.
من استعادة الأرض إلى بناء الدولة.. ثلاثة مسارات في شهادة أبو الغيط
قدمت شهادة أحمد أبو الغيط قراءة لثلاث محطات رئيسية في التاريخ المصري الحديث، بدأت بمعركة استعادة الأرض بعد نكسة يونيو 1967، مرورًا بأحداث 30 يونيو 2013، وصولًا إلى مشروعات التنمية وتعزيز الحضور الدولي لمصر.
يرتبط المسار الأول بإعادة بناء القوات المسلحة وتكامل التحرك العسكري والدبلوماسي وصولًا إلى حرب أكتوبر وما أعقبها من مفاوضات لاستعادة سيناء.
أما المسار الثاني، فيتناول أحداث 30 يونيو من منظور أبو الغيط، باعتبارها محطة واجهت خلالها الدولة تحديات تتعلق بمستقبلها واستقرار مؤسساتها.
ويتمثل المسار الثالث في التنمية الاقتصادية وتطوير البنية الأساسية والخدمات، مع الاستفادة من تجارب الدول التي حققت تقدمًا اقتصاديًا خلال العقود الماضية.
ويجمع بين هذه المحطات التركيز على أهمية التخطيط الاستراتيجي وتكامل مؤسسات الدولة والقدرة على التعامل مع التحولات الكبرى، سواء ارتبطت بالتحديات العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية.
53 عامًا على انتصارات أكتوبر.. الدبلوماسية شريك في استعادة سيناء
تأتي شهادة أحمد أبو الغيط في إطار الاحتفال بالذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، لتسلط الضوء على الدور الذي لعبته الدبلوماسية المصرية بالتوازي مع الاستعداد العسكري في معركة استعادة سيناء.
وتؤكد المحطات التي استعرضها أن استرداد الأرض ارتبط بجهود ممتدة شملت إعادة بناء القوات المسلحة، واتخاذ القرار السياسي بالمواجهة، والتحرك داخل المؤسسات الدولية، ثم توظيف نتائج الحرب في المسار الدبلوماسي والتفاوضي.
وبين ذكريات حرب أكتوبر، وشهادة هنري كيسنجر، وأحداث 30 يونيو، ومشروعات التنمية الحديثة، استعرض أبو الغيط مسارًا طويلًا من التحولات التي شهدتها مصر، مسلطًا الضوء على دور القيادة السياسية والمؤسسات الوطنية في مواجهة التحديات الكبرى.
وتبقى الرسالة الأبرز في شهادته أن حماية المصالح الوطنية وتحقيق التنمية يتطلبان رؤية استراتيجية تجمع بين قوة المؤسسات، والتخطيط طويل الأجل، والقدرة على توظيف الأدوات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية لخدمة أهداف الدولة.
