زيارة سرية لوزير الحرب الأمريكي إلى إسرائيل تثير تساؤلات حول إيران وانتخابات نتنياهو
كتبت:إيمان خالد خفاجي
لم تمضِ سوى ساعات على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمه الصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الانتخابات المقررة يوم 27 أكتوبر الجاري، حتى كشفت تقارير إعلامية عن زيارة غير معلنة لوزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث إلى إسرائيل، التقى خلالها نتنياهو داخل قاعدة عوفدا الجوية جنوب البلاد، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن أهداف التحرك الأمريكي وتوقيته، واحتمالات ارتباطه بالاستعدادات العسكرية للتعامل مع إيران.
وتأتي الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، بالتزامن مع تقارير عن مشاورات أمريكية إسرائيلية بشأن احتمالات استئناف العمليات العسكرية ضد طهران، وسط تباين في التقديرات داخل الإدارة الأمريكية بين الاتجاه الداعي إلى استخدام القوة العسكرية، والآخر الذي يفضل استمرار الضغوط الاقتصادية والعقوبات.
من دعم ترامب لنتنياهو إلى زيارة هيغسيث
في 18 أكتوبر الجاري، أعلن ترامب تأييده الكامل لإعادة انتخاب نتنياهو، بعد فترة امتنع خلالها عن إعلان موقف واضح من السباق الانتخابي الإسرائيلي، رغم العلاقات الوثيقة التي تجمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي.
ولم يقتصر موقف الرئيس الأمريكي على الإشادة بنتنياهو، بل ربط دعمه له بالشراكة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب في مواجهة إيران، مشيرًا إلى أهمية وجود قيادة إسرائيلية قادرة على مواصلة التعاون مع الولايات المتحدة في التعامل مع التهديدات الإقليمية.
وبعد يوم واحد، كشفت تقارير إعلامية أمريكية وإسرائيلية عن زيارة غير معلنة أجراها هيغسيث إلى إسرائيل، حيث عقد اجتماعًا مع نتنياهو داخل قاعدة عوفدا الجوية، التي تستضيف وجودًا عسكريًا أمريكيًا يشمل طائرات قتالية وأخرى مخصصة للتزود بالوقود.
ووفقًا للتقارير الإسرائيلية، توجه نتنياهو إلى القاعدة على متن طائرة خاصة انطلقت من مطار بن جوريون، بدلًا من استخدام مروحية، فيما وُصف اللقاء بأنه استغرق وقتًا أطول من المعتاد.
ولم يكشف الجانبان عن تفاصيل المباحثات أو نتائجها، كما لم يصدر بيان رسمي مفصل يوضح طبيعة الملفات التي تناولها الاجتماع، وهو ما زاد من التساؤلات بشأن دلالات اختيار منشأة عسكرية لاستضافة اللقاء، في ظل التطورات المرتبطة بالملف الإيراني.
لماذا اختيرت قاعدة عوفدا لعقد اللقاء؟
تكتسب قاعدة عوفدا أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الوجود العسكري الأمريكي فيها، الأمر الذي يمنح الاجتماع بُعدًا يتجاوز الاتصالات السياسية والدبلوماسية التقليدية بين واشنطن وتل أبيب.
ويأتي انعقاد اللقاء داخل منشأة تضم مقاتلات وطائرات للتزود بالوقود في وقت تتزايد فيه المناقشات بشأن احتمالات استئناف العمليات العسكرية ضد إيران، وهي تحركات تتطلب تنسيقًا عسكريًا واسعًا وقدرات جوية متقدمة.
ومع ذلك، فإن اختيار القاعدة لا يمثل دليلًا قاطعًا على وجود استعداد لهجوم وشيك، إذ قد يرتبط الاجتماع بمراجعة الخطط العسكرية، وتقييم التطورات الإقليمية، ومناقشة السيناريوهات المحتملة للتعامل مع طهران خلال المرحلة المقبلة.
لكن توقيت الزيارة يكتسب أهمية إضافية في ضوء تقارير سابقة تحدثت عن مناقشات بين ترامب ونتنياهو بشأن إمكانية تنفيذ عملية عسكرية جديدة ضد إيران قبل الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، قبل أن يتجه الرئيس الأمريكي إلى التريث في حسم القرار.
ومن ثم، يظل السؤال المطروح هو ما إذا كانت زيارة هيغسيث تأتي في إطار التنسيق العسكري المعتاد، أم أنها تعكس تحركات أكثر جدية لإعادة تقييم الخيارات الأمريكية والإسرائيلية تجاه إيران.
إيران تكشف تباين الحسابات داخل الإدارة الأمريكية
تضيف طبيعة منصب هيغسيث ومواقفه أهمية إلى الزيارة، في ظل تقارير إعلامية تشير إلى وجود توجه داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية يدعم استئناف الضربات ضد إيران، مقابل اتجاه آخر في محيط ترامب يفضل مواصلة العقوبات والضغوط الاقتصادية لتجنب الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة.
ويعكس هذا التباين اختلافًا في تقدير الوسائل الأكثر فاعلية للتعامل مع طهران، بين خيار توجيه ضربات عسكرية قد تفرض واقعًا ميدانيًا جديدًا، ومسار يعتمد على الضغط الاقتصادي والسياسي لتحقيق الأهداف الأمريكية دون تحمل مخاطر تصعيد واسع.
غير أن اختلاف التقديرات لا يكفي وحده لإثبات وجود انقسام مؤسسي داخل الإدارة الأمريكية، كما لا يعني أن وزير الحرب يتحرك بصورة مستقلة عن الرئيس، خاصة أن مضمون اللقاء مع نتنياهو لم يُعلن رسميًا.
وفي السياق ذاته، برز موقف نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، الذي امتنع عن إعلان تأييده لنتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية، موضحًا أنه لا يؤيد إعادة انتخابه ولا يعارضها، وأن تركيزه ينصب على الانتخابات الأمريكية.
ويكشف هذا الموقف عن اختلاف في طريقة تعامل كبار المسؤولين الأمريكيين مع الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي، إذ اختار ترامب إعلان دعمه لنتنياهو بصورة مباشرة، بينما فضّل فانس عدم الانحياز علنًا إلى أي طرف في السباق.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود خلاف بشأن مجمل السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، لكنه يشير إلى أن الدعم الانتخابي لنتنياهو ليس موقفًا معلنًا يتبناه جميع المسؤولين في الإدارة الأمريكية بالدرجة نفسها.
دعم انتخابي أم حسابات عسكرية؟
يفتح التزامن بين إعلان ترامب دعمه لنتنياهو وزيارة هيغسيث إلى إسرائيل الباب أمام تساؤلات بشأن تأثير التحركات الأمريكية على المشهد الانتخابي الإسرائيلي، خصوصًا مع اقتراب موعد التصويت.
فنتنياهو يستطيع توظيف علاقته الوثيقة بالرئيس الأمريكي في تعزيز صورته السياسية، وتقديم نفسه باعتباره قادرًا على الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، لا سيما في ظل التحديات الأمنية التي تواجه إسرائيل والتوترات المتصاعدة في المنطقة.
كما أن استمرار التنسيق العسكري الأمريكي الإسرائيلي، قبل أيام من الانتخابات، قد يعزز الرسالة التي يسعى نتنياهو إلى إيصالها للناخبين بشأن مكانته لدى الإدارة الأمريكية وقدرته على إدارة العلاقات مع الحليف الأهم لإسرائيل.
لكن هذا التزامن لا يثبت أن زيارة هيغسيث استهدفت دعم نتنياهو انتخابيًا، أو أن واشنطن تعتزم شن عملية عسكرية ضد إيران لتحقيق مكاسب سياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي. فلا تتوافر معلومات معلنة تؤكد وجود ارتباط مباشر بين الاجتماع والحسابات الانتخابية.
وفي المقابل، فإن استئناف المواجهة العسكرية مع إيران قد يفرض تحديات معقدة على واشنطن وتل أبيب، في ظل مخاطر اتساع نطاق الصراع، واحتمالات انعكاسه على أمن المنطقة والمصالح الأمريكية والإسرائيلية، فضلًا عن تأثيراته المحتملة على الحسابات السياسية الداخلية.
وتزداد هذه المخاطر أهمية مع اقتراب الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية، إذ قد تؤدي أي مواجهة جديدة إلى تغيير أولويات الحملات الانتخابية، وفرض ضغوط إضافية على صناع القرار بشأن كيفية التعامل مع التطورات الميدانية وتداعياتها.
3 ملفات تتقاطع في توقيت واحد
تضع زيارة هيغسيث غير المعلنة إلى إسرائيل ثلاثة ملفات رئيسية في دائرة الاهتمام؛ أولها الدعم السياسي الذي أعلنه ترامب لنتنياهو قبل الانتخابات، وثانيها المشاورات العسكرية المرتبطة بإيران، وثالثها اختلاف التقديرات داخل الإدارة الأمريكية بشأن جدوى اللجوء إلى القوة العسكرية أو مواصلة الضغوط الاقتصادية.
وبينما لا تزال تفاصيل الاجتماع في قاعدة عوفدا غير معلنة، فإن توقيته وطبيعة المكان الذي استضافه يثيران تساؤلات تتجاوز حدود اللقاء الثنائي، خاصة في ظل حساسية المرحلة الإقليمية واقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
ويبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كانت واشنطن تكتفي بتأكيد دعمها السياسي لنتنياهو وتعزيز التنسيق الأمني مع إسرائيل، أم أن الاتصالات الجارية تمهد لإعادة تقييم أوسع للسياسة الأمريكية تجاه إيران، بما قد يحمل تداعيات تتجاوز حدود المواجهة العسكرية لتطال المشهد السياسي في إسرائيل والمنطقة بأكملها.
