ماكرون يفتح باب الحوار مع الطلاب ويشدد القيود على المظاهرات في فرنسا
كتبت:إيمان خالد خفاجي
تتحرك فرنسا على مسارين متوازيين لاحتواء الأزمة الاجتماعية المتصاعدة، من خلال فتح قنوات الحوار مع ممثلي الطلاب، بالتزامن مع تشديد الإجراءات الأمنية والسعي إلى منع بعض المظاهرات، استعدادًا لموجة جديدة من الاحتجاجات، عقب أعمال العنف والنهب والتخريب التي شهدتها البلاد خلال مظاهرات 17 أكتوبر الجاري.
ويستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، ممثلين عن منظمات طلابية للاستماع إلى مطالبهم ومخاوفهم، بالتزامن مع استعداد السلطات لمواجهة احتجاجات جديدة مقرر تنظيمها السبت 24 أكتوبر. وفي الوقت نفسه، أعلن الرئيس الفرنسي عزمه منع التجمعات التي لا تستوفي الشروط التي حددتها السلطات، مع السماح بالمسيرات النقابية وفقًا للقانون، وإمكانية تعديل مساراتها لأسباب أمنية.
وتعكس هذه التحركات مساعي الحكومة الفرنسية لتحقيق توازن بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية وفرض النظام العام، في وقت تثير فيه القيود المفروضة على بعض الاحتجاجات انتقادات بشأن مدى احترام الحق في التظاهر والحريات المدنية.
ماكرون يفتح باب الحوار مع الطلاب
يأتي لقاء ماكرون مع ممثلي الطلاب في ظل اتساع نطاق الاحتجاجات التي بدأت بمطالب تتعلق بأوضاع المدارس الثانوية، ونقص العاملين، وتدهور بعض المرافق التعليمية، قبل أن تمتد إلى قضايا اجتماعية واقتصادية أوسع، من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع مستوى الخدمات العامة.
وشملت مطالب الطلاب أيضًا انتقادات لنظام الالتحاق بالتعليم العالي المعروف باسم «باركور سوب»، الذي يثير جدلًا بشأن آليات القبول وفرص الالتحاق بالجامعات.
وتطورت التحركات الطلابية تدريجيًا إلى موجة احتجاجية أوسع، شاركت فيها مجموعات مختلفة، من بينها حركة «السترات الصفراء»، التي سبق أن نظمت احتجاجات واسعة اعتراضًا على ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة.
ويأتي الحوار الرئاسي في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطًا متزايدة لاحتواء الغضب الشعبي، خاصة بعد الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في 17 أكتوبر، والتي تخللتها مواجهات مع الشرطة وعمليات نهب وتخريب استهدفت متاجر ومباني عامة.
وكان من أبرز الأضرار التي خلفتها تلك الأحداث تعرض مبنى بلدية ليموج التاريخي لحريق أدى إلى انهيار برج أجراسه، ما زاد من المخاوف بشأن تداعيات استمرار التصعيد على الممتلكات العامة والخاصة.
ماكرون يتجه إلى منع مظاهرات غير نقابية
بالتوازي مع مساعي الحوار، أعلن ماكرون أن السلطات ستعمل على منع المظاهرات التي تنظمها مجموعات لا تستوفي، وفقًا لتقديرها، الشروط اللازمة لتنظيم تجمعات معتمدة، في حين ستخضع طلبات المسيرات النقابية للمراجعة وفقًا للقانون، مع إمكانية تعديل مساراتها لحماية المتاجر والمناطق التجارية والمباني العامة.
ولا يعني هذا التوجه فرض حظر شامل على جميع المظاهرات، إذ سمحت السلطات بتنظيم مسيرة نقابية في باريس، تنطلق من ساحة الباستيل وتنتهي في ساحة الأمة، بينما رفضت المسار الذي اقترحته مجموعات من الطلاب وحركة «السترات الصفراء» باتجاه ساحة الأوبرا، بسبب المخاوف الأمنية المرتبطة بالمناطق التجارية في وسط العاصمة.
وتسعى السلطات من خلال هذه الإجراءات إلى الحد من احتمالات اندلاع مواجهات جديدة أو وقوع أعمال تخريب، خاصة في المناطق التي تضم متاجر ومنشآت عامة، إلا أن القرارات المتعلقة بتقييد المسيرات تضع الحكومة أمام تحدي الحفاظ على الأمن دون المساس بالحقوق الأساسية للمواطنين.
قيود الاحتجاجات تثير جدلًا بشأن الحريات
أثارت قرارات منع بعض المظاهرات انتقادات من منظمات حقوقية ومدافعين عن الحريات المدنية، حذروا من أن التوسع في حظر التجمعات قد يؤدي إلى تقييد الحق في التظاهر، حتى في ظل وجود مخاوف حقيقية من أعمال العنف والتخريب.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة الفرنسية أن استعادة النظام العام وحماية المواطنين والممتلكات تمثلان أولوية، مشيرة إلى أن تنظيم مسارات الاحتجاجات أو منع بعض التجمعات يستهدف تقليل احتمالات المواجهات والحفاظ على سلامة المشاركين والمارة والمنشآت.
وشهدت باريس بالفعل اختبارًا لهذه القيود، بعدما ألغت محكمة إدارية قرارًا بمنع تجمع طلابي، قبل أن تأمر الشرطة بإقامة التجمع في مكان ثابت بدلًا من تنظيم المسيرة المقررة.
ويعكس هذا التطور استمرار الجدل القانوني بشأن حدود صلاحيات السلطات في تنظيم الاحتجاجات، ومدى التوازن بين متطلبات الأمن العام وضمان ممارسة الحريات المدنية.
اجتماع جديد لاختبار قدرة الحكومة على احتواء الأزمة
لا تقتصر الأزمة في فرنسا على الاستعدادات الأمنية لمواجهة الاحتجاجات المرتقبة، بل تمتد إلى قدرة الحكومة على معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي دفعت الطلاب وقطاعات أخرى إلى النزول إلى الشوارع، وفي مقدمتها تراجع أوضاع المدارس، وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، والمخاوف المتعلقة بمستوى الخدمات العامة.
وفي إطار مواصلة الحوار مع ممثلي الطلاب، من المنتظر أن يلتقي رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو ممثلين عن منظمات طلاب الجامعات، الاثنين المقبل، لبحث المطالب المطروحة ومناقشة سبل التعامل معها.
وتترقب الأوساط الفرنسية نتائج هذه اللقاءات، في ظل مساعٍ حكومية لاحتواء التصعيد قبل اتساع رقعة الاحتجاجات، بينما ستظل قدرة السلطات على الجمع بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية والحفاظ على النظام العام عاملًا أساسيًا في تحديد مسار الأزمة خلال الفترة المقبلة.
