بوابة النور الاخبارية

من العقاب إلى التأهيل.. مراكز الإصلاح والتأهيل تعيد رسم ملامح المنظومة العقابية في مصر

السبت 24 أكتوبر 2026 08:16 صـ 12 جمادى أول 1448 هـ
من العقاب إلى التأهيل.. مراكز الإصلاح والتأهيل تعيد رسم ملامح المنظومة العقابية في مصر

كتبت:إيمان خالد خفاجي

لم تكن كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال مشاركته في فعاليات منتدى مصر 2026، وتحديدًا جلسة «أمن الوطن والمواطن»، مجرد حديث عن تطوير المنظومة العقابية، بل سلطت الضوء على توجه يستهدف تحويل العقوبة من مجرد سلب للحرية إلى فرصة لإعادة بناء الإنسان وتأهيله للعودة إلى المجتمع بصورة إيجابية بعد انتهاء مدة العقوبة.

ويعكس هذا التوجه تحولًا في فلسفة التعامل مع النزلاء، من خلال الاهتمام بالتأهيل النفسي والصحي والتعليمي والمهني، في إطار استراتيجية وزارة الداخلية لتطوير مراكز الإصلاح والتأهيل، بما يحقق التوازن بين تنفيذ القانون وصون الكرامة الإنسانية.

تحديث المفهوم العقابي

لفهم أبعاد هذا التحول، تبرز أهمية المقارنة بين الصورة التقليدية للسجون وما تشهده مراكز الإصلاح والتأهيل الحديثة، مثل مراكز وادي النطرون وبدر والعاشر من رمضان، من تطوير في البنية التحتية والخدمات المقدمة للنزلاء.

ولم يقتصر التغيير على تحديث أسماء المؤسسات العقابية أو إغلاق عدد من السجون القديمة، بل امتد إلى إعادة النظر في أساليب تنفيذ العقوبة، وتوفير بيئة تستهدف التأهيل وإعادة الإدماج المجتمعي، وفقًا للمعايير الحقوقية والإنسانية.

وتضم هذه المراكز مرافق متعددة للتعليم والتدريب والعمل والرعاية الصحية والأنشطة الرياضية والثقافية، بما يتيح للنزلاء الاستفادة من فترة قضاء العقوبة في اكتساب مهارات وخبرات تساعدهم على بدء حياة جديدة بعد الإفراج عنهم.

منشآت حديثة تراعي الاحتياجات الإنسانية

شهدت مراكز الإصلاح والتأهيل تطويرًا في تصميم أماكن الإقامة، مع الاهتمام بالإضاءة والتهوية وتوفير المرافق اللازمة للحياة اليومية، إلى جانب المستشفيات وورش العمل ومراكز التدريب المهني والمدارس ودور العبادة والملاعب الرياضية.

كما تشمل هذه المنشآت أماكن مخصصة للزيارات الأسرية، بما يساعد على الحفاظ على الروابط العائلية، ويعزز فرص إعادة اندماج النزلاء في المجتمع بعد انتهاء مدة العقوبة.

ويعكس هذا التطوير توجهًا نحو توفير بيئة تجمع بين تنفيذ الأحكام القضائية وإتاحة الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها النزلاء خلال فترة احتجازهم.

الرعاية الصحية في صدارة الاهتمام

تمثل الرعاية الطبية أحد المحاور الأساسية في منظومة الإصلاح والتأهيل، إذ تضم المراكز منشآت صحية تقدم خدمات الفحص والعلاج، إلى جانب تجهيزات طبية تستهدف التعامل مع مختلف الحالات المرضية وفق الإمكانات المتاحة.

وتشمل الخدمات الصحية الرعاية الوقائية والمتابعة الدورية، بما يساعد على اكتشاف المشكلات الصحية والتعامل معها، مع التأكيد على أهمية حصول النزلاء على الرعاية الطبية اللازمة طوال فترة وجودهم داخل المراكز.

ولا يقتصر الاهتمام بالصحة على العلاج الجسدي فحسب، بل يمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية التي تمثل جزءًا مهمًا من عملية التأهيل وإعداد النزلاء للعودة إلى حياتهم الطبيعية.

مشروعات إنتاجية لتأهيل النزلاء لسوق العمل

يمثل التدريب المهني والإنتاج أحد المحاور الرئيسية في فلسفة الإصلاح والتأهيل، إذ تتيح المشروعات الإنتاجية للنزلاء فرصة تعلم الحرف واكتساب الخبرات العملية التي يمكن الاستفادة منها بعد الإفراج.

وتتنوع الأنشطة بين الأعمال الزراعية وتربية الحيوانات والدواجن، إلى جانب الصناعات المرتبطة بالأثاث والملابس والأغذية، بما يتيح فرصًا للتدريب على مهن مختلفة وفق طبيعة المشروعات المتاحة.

وتستهدف هذه الأنشطة تنمية المهارات المهنية وتعزيز الاعتماد على الذات، فضلًا عن إتاحة فرص للعمل والحصول على مقابل مادي وفقًا للقواعد المنظمة، بما قد يساعد النزيل على دعم أسرته والمساهمة في تلبية احتياجاتها خلال فترة الاحتجاز.

وتبرز أهمية هذا الجانب في توفير فرص أكثر واقعية للاندماج في سوق العمل بعد الإفراج، بما يدعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي ويحد من العوامل التي قد تدفع إلى العودة للجريمة.

التعليم والثقافة ركيزة لإعادة التأهيل

لم يقتصر تطوير المنظومة على الجوانب الصحية والمهنية، بل امتد إلى التعليم والثقافة، من خلال إتاحة فرص لاستكمال الدراسة ومواصلة التحصيل العلمي بمراحل مختلفة، وفقًا للضوابط والإمكانات المتاحة.

كما تسهم المكتبات والأنشطة الثقافية والرياضية ودور العبادة في إتاحة مساحات للتعلم وتنمية المهارات وتعزيز السلوك الإيجابي.

ويُعد الاستثمار في التعليم والتوعية أحد المسارات المهمة لدعم إعادة الإدماج المجتمعي، إذ يساعد اكتساب المعرفة والمهارات على توسيع فرص العمل وتحسين قدرة النزلاء على التعامل مع تحديات الحياة بعد الإفراج.

الزيارات الأسرية والحفاظ على الروابط الاجتماعية

يحظى التواصل الأسري بأهمية خاصة في عملية التأهيل، نظرًا لدوره في الحفاظ على الروابط بين النزلاء وأسرهم والحد من الآثار الاجتماعية والنفسية المترتبة على الاحتجاز.

وتستهدف أماكن الزيارات توفير ظروف ملائمة لاستقبال الأسر، مع تطوير الإجراءات والخدمات المرتبطة بالتواصل، بما يراعي كرامة النزلاء وذويهم ويساعد على استمرار الصلات الأسرية.

ويمثل الحفاظ على هذه الروابط أحد العوامل المساندة لعودة النزيل إلى المجتمع، إذ يمكن أن توفر الأسرة دعمًا نفسيًا واجتماعيًا يساعده على تجاوز مرحلة الانتقال إلى الحياة خارج المؤسسة العقابية.

أمن الوطن والمواطن.. رؤية تتجاوز الردع إلى الإصلاح

سلطت جلسة «أمن الوطن والمواطن» ضمن فعاليات منتدى مصر 2026 الضوء على أهمية تطوير المنظومة العقابية باعتبارها جزءًا من منظومة أوسع لحماية المجتمع، لا تقتصر على تطبيق القانون والردع، بل تشمل أيضًا التأهيل والاستعداد للعودة إلى الحياة العامة.

وتعكس تجربة مراكز الإصلاح والتأهيل توجهًا نحو الجمع بين تنفيذ العقوبة وتوفير فرص التعليم والعلاج والتدريب المهني، بما يفتح المجال أمام النزلاء لاكتساب مهارات جديدة والاستعداد لمرحلة ما بعد الإفراج.

وفي هذا الإطار، تظل فعالية المنظومة مرتبطة بقدرتها على تحقيق أهدافها العملية، وفي مقدمتها احترام الحقوق، وتحسين فرص إعادة الإدماج، والحد من العودة إلى الجريمة، بما يعزز أمن المجتمع واستقراره.

وبذلك، يتجاوز مفهوم الإصلاح والتأهيل حدود تطوير المنشآت والخدمات، ليطرح قضية أوسع تتعلق بكيفية تحويل فترة العقوبة إلى فرصة للتغيير، ومنح المفرج عنهم إمكانية بدء حياة جديدة قائمة على العمل والمسؤولية والالتزام بالقانون