مكة المكرمة تحتفي باليوم العالمي للتراث السمعي البصري.. ذاكرة تاريخية توثق رحلة المكان
كتبت:إيمان خالد خفاجي
تجسد مكة المكرمة، بما تحمله من عمق تاريخي ومكانة دينية وحضارية، سجلًا حيًا للتحولات التي شهدتها المنطقة على مدار عقود طويلة، فيما تمثل المواد السمعية والبصرية التي وثقت ملامح الحياة بالمدينة، ورحلات الحج والعمرة، وتطور المسجد الحرام، وحركة العمران والعادات الاجتماعية، ذاكرة وطنية وإنسانية تحفظ تفاصيل المكان والإنسان، وتنقل صور الماضي إلى الأجيال الحالية والمقبلة، بما يعزز الوعي بقيمة التراث وأهمية الحفاظ عليه وإتاحته للباحثين والمهتمين.
اليوم العالمي للتراث السمعي البصري.. مناسبة لصون الذاكرة التاريخية
ويأتي الاحتفاء باليوم العالمي للتراث السمعي البصري، الذي يوافق 27 أكتوبر من كل عام، للتأكيد على أهمية التسجيلات الصوتية والأفلام والصور المتحركة والوثائق المرئية، باعتبارها مصادر أصيلة للمعرفة التاريخية، وأدوات تسهم في حفظ تفاصيل الحياة ورصد التحولات التي شهدتها المجتمعات عبر الزمن.
وتكتسب هذه المناسبة أهمية خاصة في مكة المكرمة، التي ارتبط تاريخها على مدى قرون برحلات الحجاج من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وما صاحبها من تطورات في وسائل النقل والاتصال والخدمات، إلى جانب التحولات العمرانية والاجتماعية التي شهدتها المدينة، وأصبحت الصور والتسجيلات القديمة وثائق مهمة لاستحضار مراحل تطورها.
وتقدم الصور الفوتوغرافية والأفلام الوثائقية التي تناولت المسجد الحرام والمشاعر المقدسة ورحلات الحج، شواهد بصرية توثق مراحل التوسعة والتطور المعماري، والتحسينات التي شهدتها الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن، فضلًا عن رصد مظاهر الحياة اليومية والموروث الاجتماعي والثقافي الذي شكل هوية مكة المكرمة عبر الحقب التاريخية المختلفة.
كما تحفظ هذه المواد تفاصيل الأسواق الشعبية والحرف التقليدية والمهن التي ارتبطت بخدمة الحجاج والمعتمرين، إلى جانب ملامح الأحياء القديمة وأنماط المعيشة والعلاقات الاجتماعية، بما يمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على تاريخ المدينة من خلال الصورة والصوت، وليس عبر الروايات المكتوبة وحدها.
الأرشيف السمعي والبصري.. مصدر للبحث والتوثيق
وتتيح المواد الأرشيفية للباحثين والمهتمين بالتاريخ والتراث فرصة دراسة التحولات التي شهدتها مكة المكرمة، ومقارنة ملامحها العمرانية والاجتماعية بين الماضي والحاضر، واستقراء التغيرات التي طرأت على أنماط الحياة والخدمات والمرافق، بما يدعم بناء سرد تاريخي موثق يستند إلى الشواهد والأدلة.
ومع التطور المتسارع في تقنيات الحفظ الرقمي والأرشفة الإلكترونية، تتزايد أهمية جمع المواد السمعية والبصرية القديمة وتصنيفها وفهرستها، وتوثيق مصادرها وتواريخ إنتاجها، وتحويل التسجيلات والأفلام التي تسمح حالتها الفنية بذلك إلى صيغ رقمية تضمن سهولة حفظها واسترجاعها، وتحد من مخاطر التلف أو الفقدان التي قد تتعرض لها الوسائط التقليدية بمرور الوقت.
ويمثل الحفاظ على هذا الإرث مسؤولية ثقافية ومعرفية تتطلب تكامل الجهود بين المؤسسات الأرشيفية والثقافية والتعليمية والإعلامية، إلى جانب دور الأفراد والأسر في المحافظة على الصور والتسجيلات والوثائق التي توثق تاريخ مكة المكرمة ومجتمعها، مع مراعاة حقوق الملكية الفكرية والخصوصية عند إتاحتها للنشر والاستفادة منها.
التقنيات الحديثة تعزز إتاحة التراث للأجيال الجديدة
وتوفر التقنيات الحديثة إمكانات واسعة لتوظيف الأرشيف السمعي والبصري في إنتاج الأفلام الوثائقية والمواد التعليمية، وتطوير المعارض الرقمية، وإثراء الدراسات التاريخية، وتقديم روايات موثقة عن مكة المكرمة لجمهور متنوع، يشمل الأجيال الشابة والزوار من مختلف الثقافات.
ولا تقتصر أهمية هذا التراث على الاحتفاظ بالصورة والصوت، بل تمتد إلى المعلومات والسياقات التاريخية والاجتماعية التي تحملها المواد الأرشيفية؛ إذ تتطلب الاستفادة منها توثيق مصادرها وتواريخها والتحقق من محتواها وربطها بالمعلومات التاريخية ذات الصلة، بما يضمن دقة استخدامها ويحافظ على أصالتها وموثوقيتها.
وفي ظل ما تشهده مكة المكرمة من تطور عمراني وخدمي متواصل، تبرز أهمية توثيق مراحل التحول التي تمر بها المدينة، ورصد المشروعات والمبادرات والتطورات التي تشهدها الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن، بما يتيح للأجيال المقبلة التعرف على مسيرة التطور، وفهم امتدادها التاريخي، واستيعاب الجهود التي أسهمت في تشكيل ملامح مكة المكرمة المعاصرة.
ويؤكد اليوم العالمي للتراث السمعي البصري أن صون الذاكرة التاريخية لا يتوقف عند الاحتفاظ بالمواد القديمة، بل يتطلب إدارتها وحمايتها وإتاحتها بصورة مستدامة، باعتبارها جزءًا من الذاكرة الثقافية والوطنية، وموردًا معرفيًا يسهم في تعزيز الهوية والوعي بالتاريخ ونقل التجارب الإنسانية إلى المستقبل.
وتظل العناية بالتراث السمعي والبصري في مكة المكرمة امتدادًا لجهود الحفاظ على تاريخ المدينة ومكانتها الدينية والحضارية، وصون شواهدها المادية والمعنوية، بما يضمن بقاء تفاصيل الماضي حاضرة في الذاكرة، ويربط الأجيال الجديدة بجذورها التاريخية، ويفتح أمامها آفاقًا أوسع لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
