نتنياهو بين خسارة الأغلبية وشبح السجن.. هل تنهي محاكمات الفساد مستقبله السياسي؟
كتبت:إيمان خالد خفاجي
يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرحلة سياسية وقضائية بالغة التعقيد، قد تكون أكثر صعوبة من نتائج انتخابات الكنيست التي جرت في 27 أكتوبر الماضي، بعدما حصل معسكره على 53 مقعدا فقط، دون الوصول إلى الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة جديدة، في وقت تسعى فيه المعارضة إلى توحيد صفوفها وتشكيل ائتلاف بديل قد يضع حدا لحكمه.
ولا تتوقف التحديات التي تواجه نتنياهو عند خسارة الأغلبية البرلمانية، إذ تلاحقه منذ سنوات ثلاث قضايا فساد تتضمن اتهامات بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل محاكماته حال خروجه من السلطة، ومدى تأثير فقدانه منصب رئيس الوزراء على نفوذه السياسي وقدرته على التأثير في المشهد التشريعي والقضائي.
ورغم تصدر حزب الليكود نتائج الانتخابات، فإن ذلك لا يمنح نتنياهو ضمانة الحصول على تكليف تشكيل الحكومة، إذ يتولى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج إجراء مشاورات مع الكتل البرلمانية لاختيار الشخصية الأقدر على تشكيل ائتلاف يحظى بثقة الكنيست.
وتتوقف فرص المعارضة في إزاحة نتنياهو على قدرتها على تجاوز خلافاتها والتوصل إلى اتفاق بشأن تشكيل حكومة بديلة، خاصة في ظل امتلاك الأحزاب العربية 19 مقعدا، بما يمنحها دورا مؤثرا في حسابات تشكيل الحكومة المقبلة، حتى دون المشاركة المباشرة فيها.
حكومة تصريف الأعمال.. كيف يستمر نتنياهو رغم خسارة الأغلبية؟
لا تعني خسارة الأغلبية البرلمانية مغادرة نتنياهو منصبه بصورة فورية، إذ يسمح النظام السياسي الإسرائيلي باستمرار الحكومة المنتهية ولايتها في تسيير الأعمال لحين تشكيل حكومة جديدة، وهو ما يتيح له البقاء مؤقتا في رئاسة الحكومة، حتى في حال حصول أحد منافسيه على تكليف تشكيل الائتلاف المقبل.
وبموجب الإجراءات المتبعة، يحصل المرشح المكلف على 28 يوما لتشكيل الحكومة، مع إمكانية تمديد المهلة لمدة 14 يوما إضافية، وفي حال فشل المحاولة، يمكن الانتقال إلى مرشح آخر، وصولا إلى احتمال حل الأزمة عبر انتخابات جديدة إذا تعذر تشكيل حكومة تحظى بثقة الكنيست.
وسبق أن شهدت إسرائيل أزمات سياسية متكررة وتعثرات في تشكيل الحكومات خلال الفترة بين عامي 2019 و2022، ما يجعل سيناريو الانتخابات المبكرة مطروحا مجددا.
وبذلك، قد يجد نتنياهو نفسه أمام معادلة سياسية معقدة، تتمثل في فقدان القدرة على تشكيل حكومة جديدة، مع استمرار ممارسته مهام رئيس الوزراء بصورة مؤقتة، بينما تعمل المعارضة على بناء أغلبية برلمانية تنهي وجوده في السلطة التنفيذية.
3 قضايا فساد.. المحاكمات التي تهدد مستقبل نتنياهو
بالتوازي مع أزمته السياسية، يواجه نتنياهو منذ عام 2020 محاكمة في ثلاث قضايا فساد، تتعلق باتهامات بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، وهي اتهامات ينفيها جميعا، ويصفها بأنها جزء من ملاحقة سياسية تستهدف إبعاده عن الحكم.
وتتمثل القضية الأولى، المعروفة إعلاميا باسم القضية 1000، في اتهامات بحصول نتنياهو وأفراد من أسرته على هدايا ثمينة من رجال أعمال، من بينها السيجار والمشروبات الكحولية، مقابل تقديم خدمات أو تسهيلات مزعومة.
أما القضية 2000، فتتعلق بمحادثات أجراها نتنياهو مع ناشر صحيفة «يديعوت أحرونوت»، بشأن تحسين التغطية الإعلامية له، مقابل اتخاذ إجراءات من شأنها الإضرار بصحيفة «إسرائيل اليوم» المنافسة.
وتعد القضية 4000 الأكثر حساسية من الناحية القانونية، لارتباطها باتهام نتنياهو بتلقي رشوة، من خلال تقديم مزايا تنظيمية لشركة «بيزك» للاتصالات، مقابل الحصول على تغطية إعلامية إيجابية في موقع «واللا» الإخباري، الذي كان خاضعا لسيطرة رجل الأعمال شاؤول إلوفيتش.
ورغم أن القضاة أشاروا في مراحل سابقة إلى صعوبات تتعلق بإثبات تهمة الرشوة في القضية الأخيرة، فإن ذلك لم يؤد إلى إسقاطها، ولا تزال الإجراءات القضائية مستمرة دون صدور حكم نهائي بإدانة نتنياهو، الذي يتمسك بإنكار الاتهامات الموجهة إليه.
خسارة السلطة.. هل يفقد نتنياهو نفوذه على مسار المحاكمات؟
لا يتمتع رئيس الوزراء الإسرائيلي بحصانة مطلقة تحول دون محاكمته أثناء وجوده في منصبه، وهو ما تؤكده محاكمة نتنياهو نفسها، التي استمرت خلال توليه رئاسة الحكومة.
لكن خسارة المنصب قد تحمل تغييرات مهمة على مستوى البيئة السياسية المحيطة بالقضايا، خاصة فيما يتعلق بقدرته على إدارة التحالفات البرلمانية والتأثير في أولويات التشريع والتفاوض مع الأحزاب بشأن القوانين المرتبطة بالسلطة القضائية.
فوجود نتنياهو على رأس الحكومة يمنحه نفوذا سياسيا واسعا داخل الكنيست، بينما قد يؤدي انتقاله إلى صفوف المعارضة إلى تقليص قدرته على التأثير في القرارات الحكومية والتشريعية، خصوصا إذا نجح خصومه في تشكيل حكومة تتبنى توجهات مختلفة بشأن التعديلات القضائية والتشريعات التي أثارت جدلا حول تأثيرها المحتمل في محاكمته.
ومع ذلك، فإن خروجه من السلطة لا يعني بالضرورة تسريع الإجراءات القضائية أو زيادة فرص إدانته، إذ تظل الكلمة الفصل للمحكمة، التي تنظر في الأدلة والاتهامات وفقا للإجراءات القانونية، بعيدا عن هوية الحكومة القائمة.
العفو الرئاسي.. هل يصبح مستقبل نتنياهو ورقة في صفقة سياسية؟
وسط هذه الحسابات، يبرز احتمال العفو الرئاسي أو التوصل إلى تسوية قانونية باعتباره أحد الملفات التي قد تطرح في النقاشات المتعلقة بمستقبل نتنياهو، خاصة إذا دخلت الأحزاب في مفاوضات لتشكيل حكومة وحدة وطنية أو التوصل إلى ترتيبات لنقل السلطة.
ويمتلك الرئيس الإسرائيلي صلاحية إصدار العفو وفق الضوابط القانونية، إلا أن استخدامها في قضايا نتنياهو تظل مسألة شديدة التعقيد، ولا يمكن اعتبارها نتيجة تلقائية لأي تفاهمات سياسية بين الأحزاب.
كما أن الاتفاقات الحزبية لا تكفي بمفردها لإسقاط الاتهامات الجنائية أو إنهاء المحاكمة، إذ يخضع أي مسار قانوني للضوابط والإجراءات المعمول بها.
ويطرح ذلك تساؤلات بشأن إمكانية دخول مستقبل نتنياهو القضائي ضمن أي تسوية سياسية مقبلة، خصوصا إذا ربطت بعض الأطراف بين اعتزاله العمل السياسي أو تخليه عن رئاسة الحكومة، والبحث عن مخرج قانوني للقضايا التي يواجهها، دون وجود اتفاق مؤكد حتى الآن بشأن هذا السيناريو.
شبح إيهود أولمرت.. هل يتكرر سيناريو رئيس الوزراء الذي دخل السجن؟
تستحضر محاكمات نتنياهو تجربة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، الذي غادر منصبه عام 2008 وسط تحقيقات واتهامات بالفساد، قبل أن تصدر بحقه لاحقا أحكام بالإدانة في قضايا مختلفة، انتهت بدخوله السجن.
ورغم اختلاف طبيعة القضايا والاتهامات التي واجهها أولمرت عن الملفات المنظورة أمام القضاء في حالة نتنياهو، فإن تجربته تمثل سابقة بارزة على إمكانية استمرار الملاحقات القضائية بحق رؤساء الحكومات الإسرائيليين بعد مغادرة مناصبهم، بل وانتهائها بأحكام بالسجن حال ثبوت الاتهامات.
لكن المقارنة بين التجربتين لا تعني بالضرورة أن نتنياهو سيواجه المصير نفسه، خاصة أنه لم تصدر بحقه حتى الآن إدانة نهائية في القضايا الثلاث، وأن تحديد مسؤوليته الجنائية يظل مرهونا بما تسفر عنه المحاكمات والأدلة المقدمة أمام القضاء.
بين المعارضة والانتخابات المبكرة.. 4 سيناريوهات تحدد مستقبل نتنياهو
تتعدد السيناريوهات المطروحة أمام نتنياهو خلال المرحلة المقبلة، في ظل تعقد المشهد السياسي الإسرائيلي وتداخل حسابات تشكيل الحكومة مع مستقبله القضائي.
ويتمثل السيناريو الأول في نجاحه في استقطاب حلفاء جدد يسمحون له بتشكيل حكومة ائتلافية، رغم عدم حصول معسكره على الأغلبية اللازمة في الانتخابات.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في التوصل إلى حكومة وحدة وطنية أو اتفاق سياسي يتضمن ترتيبات لتقاسم السلطة أو التناوب على رئاسة الوزراء، بما قد يفتح الباب أمام تسوية أوسع للأزمة السياسية.
ويتمثل السيناريو الثالث في نجاح المعارضة في تجاوز خلافاتها وتشكيل ائتلاف بديل يحظى بثقة الكنيست، وهو ما يعني انتقال نتنياهو إلى صفوف المعارضة وخروجه من السلطة التنفيذية.
أما السيناريو الرابع، فيتمثل في فشل جميع محاولات تشكيل الحكومة والاضطرار إلى إجراء انتخابات جديدة، مع استمرار الحكومة الحالية في تسيير الأعمال بصورة مؤقتة لحين حسم المشهد الانتخابي.
وفي ظل هذه الاحتمالات، لا تقتصر معركة نتنياهو على الاحتفاظ برئاسة الوزراء أو خسارتها، بل تمتد إلى تحديد موقعه السياسي والقانوني خلال المرحلة المقبلة، سواء بقي في السلطة، أو انتقل إلى المعارضة، أو أصبح طرفا في تسوية سياسية محتملة.
وبين أزمة تشكيل الحكومة وثلاث قضايا فساد لا تزال منظورة أمام القضاء، يبدو مستقبل نتنياهو مفتوحا على احتمالات متعددة، قد تحدد ليس فقط مصيره السياسي، وإنما أيضا طبيعة المرحلة المقبلة من معركته القضائية.
