بوابة النور الاخبارية

الأدب وعلاقته بالتجارة: جدلية الإبداع ومنطق السوق عبر التاريخ

الخميس 8 يناير 2026 07:32 صـ 19 رجب 1447 هـ
الأدب وعلاقته بالتجارة: جدلية الإبداع ومنطق السوق عبر التاريخ

يُعدّ الأدب أحد أقدم أشكال التعبير الإنساني إذ نشأ بوصفه أداة لفهم الوجود وتدوين التجربة البشرية بعيدًا عن أي تصور تجاري مباشر غير أنّ تطور المجتمعات الإنسانية وتغيّر أنماط الإنتاج الثقافي أدخلا الأدب في علاقة متشابكة مع التجارة علاقة اتخذت عبر التاريخ أشكالًا متعددة تراوحت بين الرعاية والدعم وبين الخضوع لمنطق السوق
في العصور القديمة لم يكن الأدب نشاطًا تجاريًا بالمعنى الحديث بل كان مرتبطًا بمؤسسات السلطة والمعرفة ففي الحضارة الإغريقية على سبيل المثال كانت الملاحم والمسرحيات تُكتب وتُقدَّم بدعم من الدولة أو الطبقات الأرستقراطية كما في حالة المسرح الأثيني الذي موّلته المدينة ولم يكن الهدف تحقيق الربح، بل تعزيز الوعي الجماعي والهوية الثقافية ومع ذلك فإن هذا الدعم المادي يُعدّ شكلًا مبكرًا من أشكال العلاقة بين الأدب والاقتصاد وإن لم يكن قائمًا على البيع والشراء
وفي العصر العباسي ازدهرت حركة التأليف والترجمة في ظل رعاية الخلفاء والعلماء حيث كان الأدباء يتلقون العطاء مقابل أعمالهم كما حدث في بيت الحكمة ببغداد وقد أتاح هذا الشكل من التمويل الثقافي للأدب أن يزدهر لكنه في الوقت نفسه جعله أحيانًا مرتبطًا بذوق السلطة وتوجهاتها الفكرية وهو ما يكشف مبكرًا عن إشكالية العلاقة بين الإبداع ومصادر التمويل
ومع اختراع الطباعة في أوروبا في القرن الخامس عشر دخل الأدب مرحلة جديدة إذ تحوّل الكتاب إلى سلعة قابلة للإنتاج الواسع والتوزيع الجماهيري وقد شكّل هذا التحول نقطة فاصلة في تاريخ الأدب حيث لم يعد الكاتب يعتمد فقط على رعاية الأثرياء أو المؤسسات بل أصبح مرتبطًا بسوق القراءة ففي القرن التاسع عشر على سبيل المثال ازدهرت الرواية بوصفها جنسًا أدبيًا جماهيريًا وكانت تُنشر في الصحف على هيئة حلقات كما في أعمال تشارلز ديكنز الذي كتب وهو يضع في اعتباره تفاعل الجمهور واستمرارية الطلب دون أن يفقد عمله قيمته الأدبية
وفي السياق العربي الحديث شهدت الصحافة الأدبية دورًا محوريًا في ربط الأدب بالتجارة فقد نُشرت أعمال كبار الأدباء في الصحف والمجلات مقابل أجر ما أوجد علاقة مباشرة بين النص والسوق وقد مثّلت هذه المرحلة فرصة لانتشار الأدب لكنها في الوقت ذاته دفعت بعض الكتّاب إلى مراعاة ذائقة القارئ العام أحيانًا على حساب التجريب والعمق
كما تُظهر تجربة نجيب محفوظ مثالًا دالًا على التوازن الممكن بين الأدب والتجارة فرواياته لم تحقق رواجًا جماهيريًا واسعًا في بداياتها لكنها مع الزمن تحوّلت إلى أعمال تُعاد طباعتها باستمرار وتُحوَّل إلى أفلام ومسلسلات وهو ما منحها انتشارًا تجاريًا كبيرًا دون أن يفقدها قيمتها الفنية والفكرية وتُبرز هذه التجربة أنّ السوق قد يتأخر في الاعتراف بالأدب الجاد لكنه لا ينفي قيمته
وفي العصر المعاصر تعمّقت العلاقة بين الأدب والتجارة مع صعود دور النشر الكبرى وقوائم الأكثر مبيعًا والمنصات الرقمية وأصبح النجاح الأدبي في كثير من الأحيان يُقاس بعدد النسخ المباعة لا بعمق الفكرة أو جمال اللغة ومع ذلك فإن هذا الواقع لم يُلغِ وجود أدب جاد قادر على فرض نفسه وإن ظلّ في صراع دائم مع منطق الاستهلاك السريع
إنّ تتبع العلاقة بين الأدب والتجارة عبر التاريخ يكشف أنّ المشكلة لا تكمن في وجود هذه العلاقة بل في طبيعتها وحدودها فحين تكون التجارة داعمًا يتيح للأدب الانتشار والاستمرار تصبح عاملًا إيجابيًا وحين تتحول إلى سلطة تفرض شروطها على الفكرة واللغة تتحول إلى تهديد حقيقي للإبداع
يمكن القول إن الأدب عبر تاريخه الطويل لم يكن يومًا معزولًا عن الواقع الاقتصادي لكنه ظلّ يسعى إلى الحفاظ على استقلاله المعنوي فالأدب الحق هو ذاك القادر على العبور بين الأزمنة والأسواق محتفظًا بروحه ومؤكدًا أنّ القيمة الإنسانية تسبق دائمًا القيمة التجارية