رضوى عاشور: الهوية ومسار الكتابة بين الذاكرة والمقاومة
لم تكن رضوى عاشور كاتبة عابرة في المشهد الأدبي العربي ولا صوتًا سرديًّا منعزلًا عن سياقه التاريخي والإنساني بل مثّلت نموذجًا خاصًا للكاتب الذي يكتب وهو واعٍ تمامًا بموقعه من العالم وبمسؤوليته تجاه الذاكرة والإنسان والتاريخ فقد تشكّلت تجربتها الأدبية عند تقاطع الهوية الوطنية والوعي الثقافي والانحياز الأخلاقي للعدل والحرية فخرجت أعمالها محمّلة بأسئلة كبرى تتجاوز الحكاية إلى المعنى
الهوية والجذور
وُلدت رضوى عاشور في القاهرة عام 1946 وهي مصرية الأصل والهوية نشأت وتعلّمت في مصر وتكوّن وعيها الثقافي داخل البيئة الأكاديمية والفكرية المصرية غير أن كتابتها اتسعت لتشمل همومًا عربية وإنسانية كبرى وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية التي حضرت في أعمالها بوصفها قضية إنسانية ووجودية لا مجرّد موقف سياسي
هذا الالتباس الذي يضعها أحيانًا في خانة ( الكاتبة الفلسطينية ) لا يعود إلى أصلها بل إلى عمق انحيازها الأدبي والوجداني لفلسطين وإلى قدرتها على جعل المنفى والاقتلاع والذاكرة موضوعات إنسانية مشتركة تتجاوز الجغرافيا والحدود
المسار الأكاديمي والفكري
درست رضوى عاشور الأدب الإنجليزي ثم واصلت دراساتها العليا حتى حصلت على درجة الدكتوراه وعملت أستاذة للأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس في القاهرة وهي واحدة من أعرق الجامعات المصرية وقد انعكس هذا التكوين الأكاديمي بوضوح على كتابتها التي جمعت بين الصرامة الفكرية والقدرة السردية وبين التحليل العميق واللغة الأدبية الرفيعة
لم تكن الجامعة بالنسبة لها مجرد وظيفة بل فضاءً للفعل الثقافي حيث آمنت بدور المعرفة في تشكيل الوعي وبأهمية الربط بين الدراسة الأكاديمية والواقع الاجتماعي والسياسي
الكتابة بوصفها موقفًا
في أعمال رضوى عاشور لا تظهر الكتابة كفعل جمالي فقط بل كـموقف واعٍ من العالم فهي لا تنحاز إلى البطولة الزائفة ولا إلى الخطاب المباشر بل إلى الإنسان العادي المهمّش المنكسر الذي تحاول السلطة أو التاريخ الرسمي محوه
يتجلّى هذا بوضوح في أعمال مثل :
ثلاثية غرناطة حيث تستدعي سقوط الأندلس لا بوصفه حدثًا تاريخيًا منتهيًا بل تجربة إنسانية متكرّرة عن الفقد والاقتلاع ومقاومة النسيان
الطنطورية التي تقترب فيها من المأساة الفلسطينية من خلال صوت أنثوي بسيط يحفظ الذاكرة في مواجهة الإبادة
أطياف وهو نص شديد الخصوصية يختلط فيه الذاتي بالجمعي والتاريخي بالمعيش لتقدّم فيه سيرة ذاتية غير مباشرة لجيل كامل
المرأة والوعي الإنساني
لم تكتب رضوى عاشور عن المرأة بوصفها شعارًا أو قضية منفصلة بل قدّمتها ككائن إنساني كامل يحمل همّ الوطن والذاكرة والأسرة والتاريخ كانت شخصياتها النسائية واعية متأملة قادرة على الفعل والصبر والمقاومة الصامتة بعيدًا عن التنميط أو الخطاب الدعائي
الوفاة والإرث
توفّيت رضوى عاشور في القاهرة عام 2014 بعد مسيرة حافلة بالكتابة والتدريس والمواقف الفكرية الواضحة غير أن رحيلها الجسدي لم يُنه حضورها إذ ما تزال أعمالها تُقرأ بوصفها نصوصًا حيّة قادرة على مخاطبة القارئ العربي في لحظات الانكسار والأسئلة الكبرى
خاتمة
تمثّل رضوى عاشور نموذجًا نادرًا للمثقفة التي لم تفصل يومًا بين المعرفة والضمير ولا بين الأدب والإنسان فهي مصرية الهوية عربية الانتماء إنسانية الرؤية كتبت لتُنقذ الذاكرة من النسيان ولتمنح الصوت لمن حُرموا من الكلام فاستحقّت أن تبقى واحدة من أبرز الأصوات السردية في الأدب العربي الحديث
