القصص القرآنية وأثرها في تشكيل البنية السردية للرواية العربية
لم يكن حضور القصص في القرآن الكريم حضورًا عارضًا أو تزيينيًا بل جاء بوصفه ركنًا بنيويًا في الخطاب القرآني يحمل أبعادًا تربوية وعقدية وجمالية في آنٍ واحد فالقصص القرآنية لم تُسق لمجرد الحكاية وإنما جاءت محمّلة بدلالات إنسانية كبرى صاغت الوعي الجمعي العربي وأسست من حيث لا يُلتفت إليه كثيرًا لنمطٍ سردي رفيع أثّر في تشكيل الحس الروائي العربي عبر العصور
لقد تميز السرد القرآني بخصائص فنية متفردة فهو سرد مكثف يتجنب الاستطراد الزائد ويعتمد على الإيحاء بدل التفصيل وعلى الانتقاء الدقيق للمشهد بدل الإغراق في الجزئيات كما أنه يقوم على وحدة معنوية عميقة وإن تعددت مواضع القصة الواحدة في سور مختلفة وهذه التقنية القائمة على التكرار الدلالي لا اللفظي أوجدت ما يمكن تسميته التراكم المعنوي وهو أسلوب وجد صداه لاحقًا في الرواية الحديثة التي تعيد تقديم الحدث الواحد من زوايا متعددة أو توزّعه على مستويات زمنية مختلفة
ولعل قصة يوسف تمثل النموذج الأوضح للبناء الدرامي المتكامل في القصص القرآني فهي قصة تقوم على تصاعد الحدث وتحول الشخصية وتكامل الدائرة السردية من الحلم إلى تحققه تبدأ برؤية طفولية وتنتقل عبر محطات الصراع والخيانة والفتنة والسجن ثم تنتهي بلحظة انكشاف الحقيقة وتحقيق الوعد هذا البناء الدائري القائم على الصبر والتحول الداخلي شكّل مرجعًا ضمنيًا في رسم مسارات البطل الروائي العربي حيث لا يُقاس النجاح بالانتصار الخارجي فحسب بل بالنضج الروحي الذي يتحقق عبر المحنة
أما قصة موسى بما تحمله من صراع بين الفرد والسلطة وبين الرسالة والطغيان ممثلًا في فرعون فقد أرست نموذج البطل المواجه الذي يتكوّن عبر التجربة والخوف والشك قبل أن يبلغ لحظة المواجهة الكبرى إن هذه الثنائية ثنائية القهر والمقاومة حاضرة بقوة في الرواية العربية خاصة في الأعمال التي تناولت إشكالية الاستبداد والحرية والوعي الفردي في مواجهة البنية السلطوية
ولم يقتصر أثر القصص القرآني على مستوى الموضوع بل امتد إلى تقنيات السرد ذاتها فالقرآن يوظف الحوار بوصفه أداة كشف نفسي ويعتمد على المشهدية في عرض اللحظات الفاصلة كما في مشاهد المواجهة أو الاعتراف أو الندم كذلك نجد تقنية الحذف حيث يُترك فراغٌ سردي يتولى المتلقي ملأه وهو ما يُعدّ من أبرز سمات الرواية الحديثة التي تراهن على وعي القارئ لا على تلقينه
وقد أدرك بعض رواد الرواية العربية قيمة هذا الإرث السردي فتعاملوا معه تعاملاً إبداعيًا لا نقليًا ففي أعمال نجيب محفوظ ولا سيما في رواية ( أولاد حارتنا ) يظهر أثر القصص الديني في إعادة تشكيل الحكاية الكبرى للإنسان حيث تتحول الرموز إلى شخوص روائية ويتخذ التاريخ المقدس بعدًا اجتماعيًا معاصرًا لم يكن ذلك استدعاءً مباشرًا بل تناصًا واعيًا يعكس رسوخ البنية القرآنية في الوعي السردي العربي
كما نجد لدى الطيب صالح حضورًا غير مباشر لثيمة الابتلاء والاغتراب وهي ثيمة قرآنية أصيلة تتكرر في قصص الأنبياء بوصفها اختبارًا للهوية والإيمان فشخصية مصطفى سعيد في ( موسم الهجرة إلى الشمال ) تعيش صراعًا داخليًا مع الذات والعالم في مسارٍ يذكّر بالبنية الامتحانية التي يتعرض لها الإنسان في القصص القرآني حيث تكون التجربة طريقًا إلى الكشف لا مجرد حدث عابر
إن القصص القرآنية أسهمت كذلك في ترسيخ البعد الأخلاقي للرواية العربية فالفعل السردي في القرآن لا ينفصل عن القيمة ولا يُعرض الحدث بمعزل عن مغزاه غير أن هذا البعد لا يأتي في صورة مباشرة أو خطابية بل ينساب عبر البناء الدرامي نفسه فيتولد المعنى من الحدث لا من الوعظ وهذه الخاصية تحديدًا كانت من أهم ما سعت الرواية العربية الحديثة إلى تحقيقه أن تجعل القارئ يستنبط القيمة من التجربة السردية لا أن تُفرض عليه فرضًا
ومن اللافت أن القرآن قدّم نموذجًا للسرد العابر للزمن فهو يستحضر الماضي ليخاطب الحاضر ويجعل من القصة إطارًا لفهم الواقع وهذه التقنية التأويلية أي قراءة الحاضر عبر الماضي أصبحت من أبرز ملامح الرواية العربية التي توظف التاريخ أو التراث لفهم إشكالات العصر
وعلى الرغم من تأثر الرواية العربية بالمدرسة الغربية في بنيتها الفنية فإنها لم تنشأ في فراغ ثقافي فقد كان المخزون القرآني جزءًا من اللاوعي الجمعي للكاتب والقارئ معًا ومن ثم تسلل أثره إلى النص الروائي سواء عبر الرمز أو عبر البنية الدرامية أو عبر استحضار نموذج الابتلاء والتحول
إن القصص القرآنية ليست مجرد نصوص وعظية أو وقائع تاريخية بل هي بنية سردية متكاملة أسست لوعيٍ جمالي وأخلاقي عميق في الثقافة العربية ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الرواية العربية بوصفها امتدادًا حداثيًا لذلك الإرث السردي العريق إرثٍ جمع بين الفن والرسالة وبين الجمال والقيمة وبين الحكاية والوجود وهكذا يظل القرآن في بعده القصصي نبعًا لا ينضب تستمد منه الرواية العربية بعضًا من روحها وإن اختلفت الأشكال وتبدلت الأزمنة
