بوابة النور الاخبارية

حين يعبد الإنسان صورته : تقديس الذات في مرآة الأدب

الجمعة 22 مايو 2026 08:56 صـ 5 ذو الحجة 1447 هـ
حين يعبد الإنسان صورته : تقديس الذات في مرآة الأدب

ليس أخطر على الإنسان من أن يقع أسيرًا لصورة صنعها عن نفسه ثم يصدق مع الوقت أنها الحقيقة المطلقة فهناك فرق كبير بين إنسان يعرف قدره وآخر يرى نفسه فوق الجميع وفوق الخطأ وفوق النقد وهنا تبدأ أزمة تقديس الذات تلك الحالة التي يتحول فيها الإنسان من شخص طبيعي إلى شخص يتعامل مع نفسه باعتبارها مركز الحقيقة بينما يتحول الآخرون في نظره إلى مجرد ظلال تدور حوله
وتقديس الذات ليس مجرد غرور عابر بل طريقة كاملة في النظر إلى الحياة فالشخص الذي يقدّس ذاته لا يرى رأيه مجرد رأي بل يراه الصواب الوحيد ولا يتعامل مع نجاحه باعتباره اجتهادًا بشريًا بل دليلًا دائمًا على تفوقه وحتى أخطاؤه يحاول تبريرها أو إنكارها لأنه لا يحتمل أن تهتز الصورة المثالية التي رسمها لنفسه
ولهذا كان الأدب شديد الاهتمام بهذه الشخصية لأنها تكشف واحدة من أعقد الأزمات النفسية والإنسانية فالأديب لا ينشغل فقط بما يقوله الإنسان عن نفسه بل بما يخفيه وراء هذا التعالي المستمر ولذلك نجد أن كثيرًا من الشخصيات التي بدت متعالية وواثقة بصورة مفرطة كانت في الحقيقة تخفي هشاشة داخلية وخوفًا دائمًا من فقدان صورتها أمام الآخرين
وقد لخّص ( جبران خليل جبران ) هذه الفكرة حين قال
( المتكبر كالواقف على جبل يرى الناس صغارًا ويرونه صغيرًا )
المصدر : دمعة وابتسامة
هذه العبارة لا تتحدث عن التعالي فقط بل عن الوهم الذي يصنعه الإنسان حول نفسه فالشخص الذي يقدّس ذاته يتصور دائمًا أنه أعلى من الجميع بينما يراه الآخرون معزولًا وبعيدًا لأنه كلما ازداد انشغال الإنسان بصورته الخاصة ابتعد أكثر عن الناس وعن بساطة العلاقات الإنسانية
الأدب العربي قدّم نماذج كثيرة لهذه الشخصية الحاكم الذي يرى نفسه فوق القانون والمثقف الذي يحتقر آراء الآخرين والإنسان الذي يرفض الاعتراف بأي خطأ لأنه مقتنع أنه دائمًا الأعلم والأفهم وفي كل مرة كان الأدب يكشف أن المشكلة الحقيقية ليست في قوة هؤلاء بل في عجزهم عن رؤية أنفسهم بصدق
وقد أشار ( عباس محمود العقاد ) إلى هذا المعنى حين قال
( المغرور لا يرى عيوب نفسه لأنه مشغول دائمًا بتعظيم مزاياه )
المصدر : ساعات بين الكتب
وهنا تظهر أخطر نتائج تقديس الذات أن الإنسان يفقد القدرة على مراجعة نفسه فكل إنسان طبيعي يحتاج أحيانًا إلى التراجع والاعتراف بالنقص وإعادة التفكير في تصرفاته أما الشخص الذي يعيش داخل صورة مقدسة عن نفسه فإنه يرى أي نقد تهديدًا مباشرًا له لا فرصة للفهم أو التصحيح
ولهذا يبدو دائم الدفاع عن نفسه حتى حين يكون مخطئًا بوضوح الاعتذار بالنسبة له ليس نضجًا بل كسر للصورة التي يريد أن يراها الناس عنه ولذلك قد يبرر أخطاءه باستمرار أو يحمّل الآخرين المسؤولية فقط حتى يحافظ على صورته كما هي
ومن هنا تتحول العلاقات الإنسانية معه إلى علاقات مرهقة لأنه لا يبحث عن مشاركة حقيقية بل عن إعجاب دائم يريد أن يكون محور الحديث وصاحب الكلمة الأخيرة والشخص الذي لا يُرفض رأيه أما الآخرون فدورهم غالبًا أن يستمعوا ويؤكدوا له إحساسه بالتفوق
ولهذا كثيرًا ما انتهت الشخصيات التي تقدّس ذاتها في الروايات إلى العزلة ليس لأنها بلا ناس حولها بل لأنها فقدت القدرة على التعامل مع الآخرين باعتبارهم بشرًا متساوين معها لا مجرد أدوات لتغذية شعورها بالعظمة
وقد عبّر (مصطفى لطفي المنفلوطي) عن هذا المعنى بقوله
( ما تكبر إنسان إلا لنقصٍ يشعر به في داخله )
المصدر : النظرات
وهذه من أعمق الأفكار التي تناولها الأدب النفسي فالشخص الذي يبالغ في تعظيم نفسه لا يكون دائمًا قويًا كما يبدو أحيانًا يكون شخصًا يخشى في داخله أن يبدو عاديًا، فيلجأ إلى المبالغة في تقديس صورته حتى يهرب من هذا الشعور
ولهذا يحتاج دائمًا إلى الاعتراف والإعجاب يريد أن يسمع كلمات المديح باستمرار وكأنه يخشى أن تنهار صورته إذا توقف الآخرون عن التصفيق لها ومن هنا يصبح تقديس الذات عبئًا نفسيًا قبل أن يكون مشكلة أخلاقية
وفي العصر الحديث ازدادت هذه الأزمة وضوحًا بسبب طبيعة الحياة نفسها فالعالم اليوم يشجع الإنسان على صناعة صورة مثالية عن نفسه وعرضها باستمرار أمام الناس الجميع يريد أن يبدو الأكثر نجاحًا والأكثر حضورًا والأكثر تأثيرًا ومع الوقت أصبح بعض الناس يعيشون داخل هذه الصورة أكثر مما يعيشون داخل حقيقتهم
وهنا يظهر الفرق الكبير بين الثقة بالنفس وتقديس الذات
فالثقة بالنفس تمنح الإنسان هدوءًا واتزانًا لأنه يعرف قيمته دون حاجة إلى إثبات دائم أما تقديس الذات فيجعل الإنسان متوترًا طوال الوقت لأنه يحتاج باستمرار إلى حماية الصورة التي بناها عن نفسه
الإنسان الواثق من نفسه يستطيع أن يسمع النقد دون أن ينهار
أما الذي يقدّس ذاته فيعتبر النقد إهانة شخصية
الواثق من نفسه يعترف بخطئه ويتعلم منه
أما الآخر فيرى الاعتراف بالخطأ تقليلًا من قيمته
الواثق من نفسه يفرح لنجاح الآخرين
أما الذي يعيش داخل شعور دائم بالتفوق فيشعر أن نجاح غيره يهدد مكانته
وقد نجح نجيب محفوظ في تصوير هذه الأزمة النفسية في كثير من أعماله حيث ظهرت شخصيات مقتنعة أنها تملك الحقيقة المطلقة لكنها سقطت حين اصطدمت بالحياة أو بالناس أو بنفسها
( أخطر ما يصيب الإنسان أن يقتنع أنه لا يخطئ )
( نجيب محفوظ)
المصدر : ثرثرة فوق النيل
هذه القناعة هي جوهر تقديس الذات أن يرى الإنسان نفسه أكبر من المراجعة وأعلى من الاعتراف بالنقص وهنا يبدأ السقوط الحقيقي ليس سقوط المكانة فقط بل سقوط القدرة على النمو الإنساني
وقد لخّص( أحمد أمين ) هذه الفكرة بقول
( التواضع لا يعني أن يقل الإنسان من نفسه بل أن يعرف حجمها الحقيقي )
المصدر : فيض الخاطر
وهذه هي الرسالة التي كررها الأدب دائمًا : الإنسان لا يصبح عظيمًا حين يرفع نفسه فوق الآخرين بل حين يفهم حدوده الإنسانية ويعرف أنه مثل الجميع يخطئ ويصيب ويتعلم ويتغير
فالحياة لا تُحتمل بمنطق التعالي المستمر ولا بالعظمة المتخيلة بل بالقدرة على رؤية النفس بصدق لأن الإنسان حين يتحول في نظر نفسه إلى كائن كامل يفقد أهم ما يجعله إنسانًا : التواضع والرحمة والقدرة على الاعتراف بالحقيقة
ولهذا ظل الأدب يكشف هذه الشخصية عبر العصور لا ليُدينها فقط بل ليحذر الإنسان من أخطر الأوهام : أن يتحول مع الوقت إلى شخص يعبد صورته الخاصة حتى يفقد نفسه دون أن يشعر