بوابة النور الاخبارية

الصدفة.. قدرٌ نجهله أم اختيارٌ لا نعترف به؟

الثلاثاء 11 أغسطس 2026 09:00 مـ 26 صفر 1448 هـ
الصدفة.. قدرٌ نجهله أم اختيارٌ لا نعترف به؟

كم مرة قالت لنا الحياة ( لم يكن في الحسبان )
موعد تأخر فأنقذنا التأخير من شيء لا نعرفه لقاء عابر فأصبح صاحبه جزءًا من أعمارنا باب أُغلق في وجوهنا فحزنّا عليه طويلًا ثم اكتشفنا بعد سنوات أن إغلاقه كان الطريق إلى باب آخر لم نكن نراه وفي كل مرة نعجز عن تفسير ما حدث نلجأ إلى كلمة واحدة تختصر دهشتنا  الصدفة
لكن هل الصدفة حقًا مجرد حادث عابر بلا معنى؟ أم أن ما نسميه صدفة قد يكون نتيجة لأسباب كثيرة اجتمعت دون أن نراها ؟ وهل الإنسان يصنع مصيره باختياراته أم أن هناك لحظات تأتي إليه دون استئذان فتغير كل شيء؟
يضعنا نجيب محفوظ أمام السؤال بصورة شديدة العمق في كتابه ( أصداء السيرة الذاتية) حين يقول على لسان ( الشيخ عبد ربه التائه)
( لا تصدق ما أنت إلا ابن الصدفة العمياء وصراع العناصر بلا هدف جئت وبلا هدف تذهب وكأنك لم تكن )
هذه العبارة لا تتحدث عن صدفة عابرة في حياة الإنسان وإنما تضعنا أمام السؤال الأكبر : هل وجودنا نفسه محكوم بالصدفة ؟ وهل ما يحدث لنا مجرد سلسلة من الأحداث التي لا غاية لها ؟
وهنا تأتي قيمة الأدب فهو لا يقدم لنا الإجابة جاهزة وإنما يجعلنا نواجه السؤال بأنفسنا
فالإنسان بطبيعته يحب أن يشعر بأنه يملك زمام حياته يخطط لمستقبله ويحدد أهدافه ويختار من يحب ويقرر أين يذهب وماذا يفعل لكنه سرعان ما يكتشف أن هناك أشياء كثيرة لا تدخل في حساباته ظروفًا لم يخترها وأشخاصًا لم يخطط للقائهم وأحداثًا تأتي في اللحظة التي لا يكون مستعدًا لها
ومن هنا جاءت الحكمة الشعبية ( رُبَّ صدفةٍ خيرٌ من ألف ميعاد )
فالمثل لا يرى في الصدفة مجرد عشوائية بل يعترف بأن ما يأتي بلا موعد قد يحمل خيرًا يفوق ما خططنا له طويلًا وقد تكون اللحظة التي لم نستعد لها أكثر تأثيرًا في حياتنا من سنوات قضيناها في الاستعداد
لكن الصدفة ليست دائمًا خيرًا
هناك صدفة تمنحنا إنسانًا نحتاج إليه وصدفة تأخذ منا إنسانًا لا نتخيل الحياة بدونه هناك صدفة تفتح لنا طريقًا جديدًا وأخرى تضعنا أمام اختبار لم نطلبه وقد تكون الصدفة بداية نجاح كما قد تكون بداية أزمة
وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا : إذا كانت الصدفة قادرة على تغيير حياتنا فأين يبدأ اختيارنا وأين تنتهي الصدفة ؟
الحقيقة أن الصدفة قد تبدأ الحدث لكنها لا تستطيع أن تكتب نهايته وحدها
قد تقابل إنسانًا بالمصادفة لكنك أنت الذي تقرر أن تمنحه ثقتك وقد تأتيك فرصة من حيث لا تتوقع، لكنك أنت الذي يقرر هل يستثمرها أم يتركها تمر وقد تواجه أزمة لم تخترها لكنك تستطيع أن تختار كيف تتعامل معها
وهذا هو الفارق بين ما يحدث لنا وما نفعله بما يحدث لنا
فالإنسان ليس مسؤولًا عن كل الظروف التي تحيط به لكنه مسؤول عن كثير من ردود أفعاله واختياراته قد لا نملك اختيار البداية لكننا نملك أحيانًا اختيار الخطوة التالية
وفي القرآن الكريم يأتي المعنى في أعمق صورة حين يقول الله تعالى 
( وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ، وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون )
فالإنسان يرى اللحظة ولا يرى دائمًا ما وراءها
قد يظن أن خسارة معينة كانت شرًا محضًا ثم تكشف الأيام أنها أنقذته من طريق لم يكن يناسبه وقد يفرح بأمر ظنه مكسبًا ثم يكتشف أنه حمل معه ألمًا لم يتوقعه
وهنا لا تصبح الصدفة مجرد كلمة نستخدمها لتفسير المجهول وإنما تصبح اختبارًا لقدرتنا على فهم الحياة وقبول ما لا نستطيع السيطرة عليه
لكن هناك خطأ آخر لا يقل خطورة عن إنكار الصدفة : أن نجعلها شماعة نعلق عليها كل شيء
فليس كل فشل صدفة وليس كل خسارة قدرًا لا علاقة لنا به وليس كل ما حدث لنا خارج إرادتنا أحيانًا تكون وراء النتائج اختيارات واضحة وأخطاء كان يمكن تجنبها وقرارات اتخذناها ونحن نعرف عواقبها
لذلك لا ينبغي للإنسان أن يعيش مستسلمًا للصدفة ولا مغرورًا بقدرته على التحكم في كل شيء
بين الاثنين توجد منطقة أكثر إنسانية: نسعى فيما نستطيع ونختار حين يكون الاختيار بأيدينا ونتقبل ما يتجاوز قدرتنا على التحكم
وربما لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس
: هل الصدفة تصنع حياتنا؟
بل : ماذا نصنع نحن بالصدفة حين تأتي؟
فالصدفة قد تضع أمامنا فرصة لكن الإرادة تحولها إلى إنجاز وقد تضع في طريقنا شخصًا لكن الاختيار هو الذي يقرر مكانه في حياتنا وقد تغير اتجاه الطريق لكن خطواتنا هي التي تحدد إلى أين نصل
وفي النهاية ربما لا تكون الصدفة قدرًا نجهله تمامًا ولا اختيارًا نصنعه بالكامل إنها نقطة التقاء بين ما نخطط له وما لا نستطيع توقعه
نحن نكتب بعض فصول حياتنا بأيدينا بينما تكتب الأيام فصولًا أخرى لم نطلبها ولم نستعد لها وبين ما كتبناه وما كُتب لنا تتشكل الحكاية
فالصدفة لا تعني أن الحياة بلا معنى كما أن الاختيار لا يعني أننا نملك كل شيء نحن نعيش بين الاثنين نختار حين نستطيع ونتقبل حين لا نستطيع ثم نحاول أن نصنع من كل ما يحدث لنا معنى يستحق أن نكمل به الطريق
وربما تكون أجمل حكمة في الصدفة أننا لا نعرف قيمتها لحظة وقوعها فقد نقضي سنوات ونحن نلعن حدثًا ظنناه خسارة ثم نكتشف ذات يوم أنه كان أول خيط في أجمل فصل من حياتنا
فالصدفة قد تغير الطريق لكنها لا تستطيع أن تسير بدلًا منا؛ ونحن قد لا نملك اختيار كل ما يحدث لكننا نملك دائمًا فرصة أن نقرر ماذا سنصبح بعد أن يحدث.