بوابة النور الاخبارية

البُعد الثقافي وإنتاج الاغتراب: بين «مجتمع الكادحين» و«مجتمع إيجبت»

الأربعاء 19 أغسطس 2026 12:51 مـ 5 ربيع أول 1448 هـ
البُعد الثقافي وإنتاج الاغتراب: بين «مجتمع الكادحين» و«مجتمع إيجبت»

لا تتجلى الفجوة الطبقية في صورتها الأكثر خطورة من خلال مؤشرات الدخل، أو اختلال مستويات الاستهلاك وحسب؛ بل إنّ كاشفها الأعمق يكمن في تحول هذا التفاوت المادي إلى انفصال ثقافي كامل يمسّ نسيج الهوية، واللغة، وأنماط الإدراك. وحين يصل التباين الاقتصادي إلى درجة القطيعة بين عالمين مختلفين—عالم يصارع من أجل تحصيل أدنى مقومات العيش، وآخر يصارع من أجل تذكرة لحفل هذا المطرب المتصابي أو ذاك الممثل المبتذل ويعيش في رفاهية معزولة يعبر المجتمع عنها بلفظة «إيجبت»— فإن الثقافة تتجه لتكون أداة لإعادة إنتاج التهميش، وإضفاء الشرعية الرمزية على العزل الاجتماعي.

إن تحول الفوارق الاجتماعية إلى فوارق لسانية وسلوكية يمثل إحدى أبرز آليات «العنف الرمزي» (وفق مفهوم بيير بورديو*)؛ إذ لم تعد اللغة مجرد أداة للتواصل، بل تحولت إلى رأسمال رمزي يُستخدم للفرز والتميز الطبقي، فأصبح استخدام نمط لغوي معين، يمزج بين المفردات الأجنبية والسلوكيات الاستهلاكية، شرطاً للترقي الوظيفي والقبول الاجتماعي داخل فضاءات الأعمال والتأسيس الحديث.

وتم اختزال الثقافة الشعبية أو الأنماط الحياتية للبؤساء في خطاب هامشي باعتبارها مظهرًا من مظاهر "العشوائية" أو التراجع الجمالي، مما يولد لدى الفرد في مجتمع الكادحين شعوراً حاداً بالاضطهاد الرمزي والاغتراب داخل وطنه.

وتتأكد أزمة البعد الثقافي عندما تُمارس الأنشطة الثقافية والمبادرات المجتمعية التطوعية بمعزل عن شروط الإنتاج المادي للأفراد، حيث تعد مطالبة الفرد المنشغل بتأمين قوته اليومي بالانخراط في العمل الجمعي أو الاستجابة للدعوات الناعمة تُعد نوعاً من المجاوزة المنطقية؛ إذ إن المشاركة الثقافية والمجتمعية تتطلب حدا أدنى من الأمان الاقتصادي والنفسي، وبدونه يتحول الفعل الثقافي إلى مسكنات شكليّة لا تُغير من الواقع شيئاً، ورغم أن المواطنة هي عقد متكافئ تضمن فيه المؤسسات العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، مقابل منح الفرد ولاءه وجهده للمجموع، إلا أن هذا العقد يتهاوى تحت وطأة المحسوبية والانغلاق الطبقي، لتتعمق التحولات في البنية القيمية للشباب.

أضف إلى ذلك انهيار القدوة القائمة على الجهد والتعليم والبحث العلمي، لصالح نماذج الترقي السريع القائمة على الانتساب الطبقي أو استهلاك المحتوى السطحي، ليتحول السلوك العام من «المشاركة والتغيير» إلى «النجاة الفردية»، حيث يصبح الهدف الأساسي إما الهروب عبر الهجرة أو السعي نحو الانسحاب الكامل من الفضاء العام.

في هذه البيئة المريضة لا يمكن للثقافة أن تنمو لتؤدي دورها التكاملي في غياب التفاعل البشري؛ إذ إن التوسع في إنشاء الجدران السكنية والتجارية المغلقة أدى إلى تآكل دور أماكن «الفضاء العام الجامع»؛ كالحدائق العامة، والمؤسسات الثقافية الشعبية(قصور الثقافة، المكتبات العامة،......).

ونتيجة لهذا الانعزال المكاني، نشأت ثقافة متعالية ومتقوقعة؛ تمثل طبقة معزولة تتوجس من الآخر وتراه تهديداً، وطبقة كادحة تنظر لتلك الفضاءات باعتبارها رمزاً للحرمان والهيمنة.

واخيراً

إن الأزمة الناجمة عن الفجوة الطبقية ليست مجرد شأن اقتصادي معالجته مرهونة بزيادة معدلات النمو أو ضخ المساعدات؛ بل هي أزمة بنيوية ثقافية تؤدي إلى تآكل المعنى وشلل الفاعلية المجتمعية، ولا يمكن إعادة بناء الانتماء والشغف بالمشاركة عبر الخطابات الموجهة أو المبادرات الفوقية، بل عبر تحول بنيوي حقيقي يُعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية والإنتاجية الشاملة، ويؤسس لثقافة مواطنة قائمة على تكافؤ الفرص والاحترام المتبادل.