هل سرقت الحياة الحديثة قدرتنا على الاستمتاع بالحياة؟
كتبت نجوى فياض
لم تكن الحياة في الماضي أكثر سهولة ولم يكن الإنسان يملك ما نملكه اليوم من وسائل الراحة والاتصال والسرعة.
كان ينتظر الرسالة ويسافر أيامًا ليلتقي بمن يحب ويبذل جهدًا أكبر في تفاصيل حياته اليومية ومع ذلك يبدو أن الإنسان القديم كان يعرف كيف يمنح اللحظة حقها من الحياة بينما أصبح إنسان اليوم يملك وسائل أكثر، لكنه لا يملك دائمًا القدرة على الاستمتاع بما لديه.
فهل سرقت منا الحياة الحديثة سعادتنا؟ أم أننا نحن الذين فقدنا القدرة على رؤيتها؟
لقد أصبحنا نعيش في زمن لا يحتمل الانتظار نريد الإجابة فورًا والنجاح سريعًا والنتيجة قبل أن تبدأ الرحلة حتى الأشياء التي تحتاج إلى وقت كالحب والصداقة وتحقيق الأحلام أصبحنا نريدها بأسرع ما يمكن.
الغريب أن التكنولوجيا التي اختصرت المسافات وجعلت العالم بين أيدينا لم تجعلنا بالضرورة أكثر قربًا من بعضنا.
نجلس مع من نحب لكن الهاتف حاضر بيننا نذهب إلى مكان جميل فنفكر في الصورة التي سنلتقطها قبل أن نتأمل المكان ، نحقق إنجازًا فلا نمنح أنفسنا فرصة للفرح به لأننا سرعان ما ننظر إلى إنجاز شخص آخر وكأننا لم نعد نعيش اللحظة وإنما نوثقها ونراقبها وننتظر رأي الآخرين فيها.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا : هل نعيش حياتنا فعلًا أم أصبحنا نعيش الصورة التي نريد أن يراها الآخرون عنا ؟
كان الأديب المصري يحيى حقي شديد الحساسية تجاه اللحظات الصغيرة التي تمنح الحياة معناها وفي كتابه (دكان يحيى حقي) يقول (لا قياس عندي لعمري إلا بهذه اللحظات القليلة النادرة التي نبض فيها عرق من روحي) ثم يتحدث عن الفن والطبيعة والجمال ويشير إلى أنه عرف من خلالها (طعم السعادة)
وهذه الرؤية تبدو شديدة الصلة بحياتنا اليوم فالإنسان لا يقيس قيمة عمره بعدد السنوات فقط وإنما بما عاشه داخل تلك السنوات قد تمر أعوام طويلة ونحن منشغلون بالمستقبل ثم نكتشف أننا لم ننتبه إلى الحاضر إلا قليلًا.
ويقدم مصطفى محمود معنى آخر للسعادة حين يقول (إن السعادة في معناها الوحيد الممكن هي حالة الصلح بين الظاهر والباطن، بين الإنسان ونفسه)
وهنا نكتشف أن المشكلة ليست دائمًا فيما ينقصنا وإنما فيما يحدث داخلنا قد يمتلك الإنسان أشياء كثيرة، لكنه لا يشعر بالسعادة لأنه لا يعيش في سلام مع نفسه وفي المقابل قد يجد إنسان سعادته في جلسة هادئة مع من يحب أو في كوب قهوة أو في ضحكة طفل أو في مشهد غروب لم يكلفه شيئًا سوى أن يتوقف وينظر
لقد أقنعتنا الحياة الحديثة أن السعادة تحتاج دائمًا إلى المزيد : مال أكثر نجاح أكبر منزل أجمل سفر أكثر ومكانة أعلى وكلما جعل الإنسان سعادته مرتبطة بالمزيد أصبح ما يملكه أقل قيمة في عينيه ثم جاءت المقارنة لتزيد الأمر تعقيدًا فبعد أن كان الإنسان يرى حياة من حوله أصبح اليوم يرى في دقائق حياة مئات الأشخاص نجاحاتهم وسفرهم واحتفالاتهم وبيوتهم لكنه لا يرى خوفهم أو وحدتهم أو لحظات انكسارهم فيقارن حياته الحقيقية بصور منتقاة من حياة الآخرين ويخرج غالبًا بنتيجة ظالمة : أن الجميع يعيش أفضل منه وهكذا لا يعود الإنسان يستمتع بما لديه لأنه منشغل بما ليس لديه
ربما لا نحتاج إلى الهروب من الحياة الحديثة وإنما إلى استعادة مهارة بسيطة فقدناها وسط سرعتها : أن نعيش اللحظة دون أن نطالبها بأن تكون استثنائية ، أن نجلس مع من نحب دون هاتف وأن نتناول الطعام دون تصويره وأن نقرأ كتابًا دون استعجال وأن نمشي وننظر إلى السماء وأن نضحك دون أن نفكر كيف ستبدو ضحكتنا أمام الآخرين ،فليست كل لحظة جميلة لأنها كبيرة وإنما بعض اللحظات تصبح كبيرة لأننا كنا حاضرين فيها بقلوبنا
ربما تكون الإجابة عن السؤال الذي بدأنا به أبسط مما نظن : الحياة الحديثة لم تسرق منا القدرة على الاستمتاع بالحياة لكنها سرقت انتباهنا عنها والإنسان لا يستطيع أن يستمتع بشيء لا ينتبه إليه
قد تكون السعادة جالسة إلى جوارنا ونحن نبحث عنها في مكان بعيد وقد يكون أجمل ما في حياتنا موجودًا بالفعل لكننا لا نراه لأن أعيننا معلقة بما ينقصنا.
لذلك ربما لا نحتاج إلى العودة إلى الماضي بل إلى أن نتعلم من جديد كيف نعيش أن نبطئ قليلًا ونصغي لمن نحب ونتصالح مع أنفسنا ونمنح اللحظة حقها
في النهاية ليست قيمة العمر في عدد الأيام التي مرت وإنما في عدد اللحظات التي شعرنا فيها أننا كنا أحياء حقًا.
