المنظمة الدولية للفن الشعبي تعلن برنامج مؤتمر الفنون الأفريقية
حين يتلاقى الجذر العريق مع تساؤلات المستقبل، يتسجل التاريخ على تخوم الوعي الكوني، فالفن الأفريقي لم يكن قط مجرد أثر عابر في جغرافية الجسد والروح، بل هو الجوهر الحي للذاكرة الإنسانية التي تكافح لئلا تذوب في لجب العولمة وعصف الخوارزميات.
وفي هذا السياق الفلسفي الوجودي، تنطلق فعاليات المؤتمر العلمي الدولي للفنون الأفريقية تحت عنوان "مستقبل الفنون الأفريقية"، بتنظيم رفيع من المنظمة الدولية للفن الشعبي (IOV)، المنظمة الدولية غير الحكومية التي تأسست بالنمسا عام ١٩٧٩، وتحتضن شبكة واسعة من التعاون تضم ١٨٤ دولة، ودخلت في رحاب رعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) عام ١٩٩٨، لترسخ رسالتها الخالدة في حماية وتوثيق التراث الثقافي غير المادي والفنون الشعبية والحرف والعادات عبر المهرجانات والبحوث الأكاديمية والتبادل الشبابي، وبإشراف إقليمي يستنطق عمق القارة عبر إقليم أفريقيا الشرقية والجنوبية الشرقية.
هذا الحدث العلمى والفلسفي، الذي يُبث تباعاً عبر منصات الرقمي الحديث (قناة التليجرام المخصصة للمؤتمر)، يحظى بإشراف عام دقيق من أ.د. إيمان مهران (رئيس المؤتمر والمدير التنفيذي الإقليمي لأفريقيا الشرقية والجنوبية الشرقية)، ومراجعة فنية من أ.د. نهلة أبسخرون (مقرر المؤتمر والممثل الأسبق لجمهورية مصر العربية بالمنظمة)، وإشراف إلكتروني من د. إيناس حسن عبد الرحيم؛ ليقدّم نموذجاً فريداً لتنظيم أكاديمي عابر للحدود الجغرافية والافتراضية.
تستهل الفعاليات في تمام العاشرة صباحاً بعزف السلام الجمهوري لجمهورية مصر العربية، يلي ذلك فيض من الكلمات الافتتاحية التي وضعت فلسفة المؤتمر في نصابها الكوني، حيث تفتتح الجلسة بكلمة أ.د. إيما تشين هوفلر (Emma Chen Hoefler)، رئيس المنظمة الدولية للفن الشعبي، تليها كلمة أ.د. إيمان مهران بصفتها رئيس المؤتمر، ثم كلمة أ.د. نهلة أبسخرون مقرر المؤتمر، وكلمة د. تامر يحيي أمين المؤتمر وممثل جمهورية مصر العربية بالمنظمة، ويتكامل المشهد بكلمات تمثيلية رفيعة المستوى لكل من أ.د. علي بزي (أستاذ الأنثروبولوجيا الثقافية بالجامعة اللبنانية وممثل أعضاء المنظمة)، وأ.د. حسب الله مهدي (رئيس المجلس الأعلى للغة العربية في أفريقيا، ممثلاً عن السادة الأساتذة المحكمين).
تتوالى بعد ذلك الجلسات العلمية بانتظام بديع وفق محاور المؤتمر، مرتوية من ينابيع الفكر ومقدمة قراءات نقدية وفلسفية عميقة لكل حقل من حقول الإبداع الأفريقي، وتكون البداية مع أبحاث حول فنون المسرح، تحت رئاسة أ.د. محمد آدم سليمان (جمهورية السودان)، لتنطلق الرؤى النقدية لتعيد طرح السؤال حول دور الخشبة في إعادة إنتاج الوعي، حيث تقدم د. خديجة أحمد مسعود (الجزائر) ورقة بعنوان "المسرح الأفريقي بين الجذور التقليدية ووظائف التغيير الاجتماعي والسياسي"، ويشارك د. سيد أحمد أحمد (السودان) بورقة "هوية المسرح الأفريقي في الساحة العالمية: تجارب من المسرح السوداني"، ويستجلى أ. عيد عبد الحليم (مصر) ثنائية "المسرح الأفريقي بين الواقع وفضاء الموروث الشعبي"، فيما يغوص أ.د. مصطفى حيمور (الجزائر) في تفكيك الرمز عبر قراءة نقدية لمسرحية "عابدات باخوس" للوول سوينكا في ورقة "إعادة تشكيل الرمز في المسرح النيجيري".
أما جلسة أبحاث فنون السينما، برئاسة أ.د. رشيد أمحجور (المملكة المغربية)، فتستنطق الجلسة الفضاء البصري والتقني، حيث يناقش أ.م.د. عادل ضيف الله (السودان) "استخدامات الذكاء الاصطناعي في الدراما التليفزيونية السودانية". ويقدم د. عبد العزيز آيت عبد القادر (الجزائر) دراسة عن "دور الموسيقى الفيلمية في تفعيل الهوية الأفريقية من خلال السينما الجزائرية". وتتابع د. كلثوم بلعباسي (الجزائر) ذات البعد عبر ورقتها "الأسطورة والهوية البصرية في السينما الجزائرية".
ثم تبدأ أبحاث حول فنون الموسيقى، وترأس الجلسة أ.د. عبد الله ابراهيم عبد الله (السودان)، لتتحول الألحان إلى وثائق أنثروبولوجية، حيث يشارك أ.د. خالد القلاف (الكويت) ببحث "الإيقاعات الأفريقية في الفنون البحرية الكويتية: دراسة في الأنثروبولوجيا الموسيقية". وتقدم أ.د. رجاء موسى عبد الله (السودان) ورقة "التنوع الإيقاعي والمقامي في التراث الموسيقي السوداني وتأثيراته العالمية"، وتستعرض د. سارة عبد المنعم (مصر) "التنوع والاستلهام في فنون الموسيقى الأفريقية: دراسة حالة الموسيقى السودانية". ويناقش د. صالح محروس محمد (مصر) "الرقمنة والموسيقى العربية في شرق أفريقيا". ويتناول أ.د. محمد آدم سليمان أبو البشر (السودان) "تنوع التراث السوداني والاستلهام في غناء عمر إحساس". وتقدم أ.د. نهلة أبسخرون معوض (مصر) ورقة حول "آلات الموسيقى الشعبية ورقمنتها: دراسة في آليات الحفظ والتوثيق". وتختتم المحور الباحثة هبه رمضان حسن (مصر) بدراسة ميدانية عن "الفرق الموسيقية للأفارقة في دول اللجوء والنزوح بمحافظة القاهرة".
أما جلسة أبحاث حول الفنون التشكيلية، تحت رئاسة أ.د. محمد ثابت بداري (مصر)، وتجسد المادة البصرية في أبعادها الهوياتية، إذ تتناول د. إيناس حسن عبد الرحيم (مصر) "رموز الموتى في الفن الأفريقي كمصدر لاستلهام تصميم أعمال فنية معاصرة"، وتستعرض مي عصام زهيري (مصر) "متاحف الفنون التشكيلية وترسيخ الهوية المصرية في مواجهة العولمة الثقافية: دراسة في مبادرات الإتاحة والتمكين الثقافي"، ويقرأ أ.د. هشام يوسف خوجة (الجزائر) "استلهام الرموز والشعارات الأمازيغية في الفن التشكيلي المعاصر عبر قراءة نقدية في بعض أعمال الفنانين الجزائريين".
أما جلسات أبحاث حول الفنون الشعبية، فهما (جلستان موسعتان) برئاسة أ.د. وجدي نخلة (مصر)، ينفتح المؤتمر على اتساع الموروث والتحولات الرقمية والطقسية، حيث يقدم أبو الفتوح مساعد البرعصي (مصر) دراسة في "شعر البادية الموروث الشعبي المشترك بين مصر وليبيا: غناوة العلم نموذجاً"، وتتناول د. أحلاهم محمد نوارة (أحلام أبو نوارة) (مصر) "الخامات البيئية وهوية واحة سيوة التراثية"، ويبحث د. أزهري حسن احمد محمد (السودان) "دور التيك توك في المحافظة على طقوس الزواج التقليدية في السودان"، وتدرس د. أسماء صولة (الجزائر) "أنثروبولوجيا الفضاءات الحضرية والفن الشعبي: قراءة في تمثلات الهوية وإعادة إنتاج الموروث الثقافي بالمدن الإفريقية المعاصرة"، وتتأمل أ.د. إيمان علي مهران (مصر) ظاهرة "تفكيك الموروث الأفريقي في عصر الرقمنة: فنون أفارقة المهجر نموذجاً"، ويستشرف د. تامر يحيي (مصر) "مستقبل فنون الأداء الحركي الأفريقي المعاصر في عصر الرقمنة"، وتناقش أ.د. جيهان إبراهيم السيد خريبة (مصر) باللغة الإنجليزية "التقاليد الشفوية والقيم المجتمعية في الحكايات الشعبية المصرية: منظور أفريقي"، وتقدم خديجة إدريس عثمان (أرتريا) رؤية عن "مستقبل موروث الثقافات الشعبية الأفريقية في عصر الرقمنة: التجربة الأريترية نموذجاً"، وتقرأ أ.د. رزيقة حيزير (الجزائر) "تمثلات الرقص الأمازيغي في تيك توك: قراءة في تحولات الهوية والممارسة الفنية"، ويعرض أ.د. رشيد أمحجور (المغرب) "قضايا الاستلهام وفنون الأداء الشعبي الأفريقي: نماذج من الفرجات المغربية"، ويستقرأ رمضان أحمد شهاوي (مصر) "ملحمة ذات الهمة كنموذج استراتيجي لتطوير الصناعات الإبداعية"، ويتعمق د. عاطف آدم محمد عجيب (السودان) في "الأنثروبولوجيا الطقسية وبناء السلام: قراءة في التحولات الوظيفية لطقس جدع النار بإقليم النيل الأزرق"، وتبحث أ.د. كريمة زيتوني (الجزائر) في "أصالة الخيل وروائع ما قيل فيها من الشعر الشعبي: قراءة في نماذج مصرية وجزائرية"، ويتناول د. محمد عبيد (مصر) "صون التراث المادي واللامادي في إفريقيا: التجربة المصرية نموذجاً"، ويقدم أ.د. معتصم عديلة (فلسطين) قراءة أنثروبولوجية فينومينولوجية بعنوان "الخبرة الثقافية في عصر الرقمنة في مستقبل موروث الثقافات الشعبية الأفريقية"، ويشارك د. نزار غانم (اليمن) ببحث عن "رقصة الطنبورة النوبية في سواحل دولة اليمن: فن أفرويمني"، ويختتم المحور ببحث أ.د. يمينة بن صغير حضري (الجزائر) حول "المعتقدات الشعبية والفنون في قصور وادي ريغ بالجنوب الجزائري".
تدور جلسة أبحاث فنون الطفل والأدب تحت رئاسة أ.د. نبيل حويلي (الجزائر)، نحو براءة الكائن وامتداد النص، حيث يقدم د. الصديق أحمد نور الدائم إدريس (السودان) ورقة "تعزيز حضور المثل الشعبي السوداني في الفضاء الرقمي من خلال دراما الطفل"، ويشارك الباحث د. محمد جمال الدين أمين (مصر) بورقة متقدمة بعنوان "الذكاء التربوي الموازي كآلية لتفكيك التحيزات الثقافية في محتوى الذكاء الاصطناعي المقدم للطفل المصري"، وفي فنون الأدب، تحلل د. ليلى خليل علي (لبنان) "المجتمع والمرأة في السودان في زمن التحولات: غضب وكنداكات لأمير تاج السر أنموذجاً"، وتستعرض د. هاشم الخليفة عثمان (السودان) "رقمنة الشعر الشفاهي للقبائل الأفريقية المنقسمة بفعل الحدود السياسية: الشعر الشفاهي بلغة التقريت لقبائل الحباب في السودان وإرتيريا"، وتتناول الباحثة ياسمين الهلالي (مصر) قضية "الفنون الأفريقية في الإعلام الغربي: نحو سردية إعلامية جديدة".
وفي تمام السادسة مساءً، تُسدل الستار المؤقت لجلسات العرض لتنفتح رحاب الوعي الأكبر، حيث يُعلن رئيس المؤتمر عن توصيات المؤتمر، تليها لحظات وفاء مستحقة لتقديم شكر لجنة التحكيم، وشكر خاص لروح رئيس المنظمة الراحل الشاعر / علي عبد الله خليفة الذي ترك في الوجدان الإنساني بصمة لا تمحى، وتتوج فعاليات اليوم بجلسة نقاش علنية تفاعلية بين الباحثين المشاركين عبر الإنترنت (On line)، لتؤكد القارة السمراء من جديد أن الفن ليس ترفاً عابراً، بل هو الحصن الأخير للإنسان في مواجهة عصف الزمان وتيه الخوارزميات.
