مفهوم الشرف.. بين العرف والشريعة
حين يُهدر الدمُ باسم "الشرف" ويُغسل العارُ بالجبن!
في منظومتنا الاجتماعية المأزومة، لا يوجد ما هو أشدّ إيلاماً ولا أكثر بؤساً من معالجة الجريمة بجريمةٍ أكبر، تحت لافتة بائسة تُدعى "جرائم الشرف".
لقد اختزلنا مفهوم "الشرف" في أجساد النساء وسلوكهن الفردي، ونكصنا بوعينا لنمارس أقصى درجات البطولات الوهمية والسيطرة على الأضعف مجتمعياً، كبديلٍ عاجز عن مواجهة صور القهر الأكبر، والفقر، والامتهان اليومي الذي نكابده جميعاً.
فأين يذهب "دم الغيرة والشرف" أمام الذل والكسرة اللذين يرتطمان بوجوهنا كل يوم؟ أم أننا لا نستأسد إلا على بعضنا البعض؟
إن الحقيقة الصارخة التي نتغافل عنها هي أن هذه الجرائم لا تمتّ لشريعة ولا لقيم بصلة، بل هي تغليبٌ للعرف القبلي والتقاليد الجاهلة على الدين والشريعة:
الاعتداء على العدالة والقانون: في الشريعة، القضاء وحده هو الموكل بإقامة العدالة ورعاية الحقوق. أما العرف الجاهلي فيمنح الأفراد سلطة المطلق في تطبيق حكم الإعدام خارج أي إطار قانوني أو شرعي.
استبدال اليقين بالشائعة: تُشدد الشريعة في معايير الإثبات والبينة وتنهى عن التجسس والظن، بينما يُبيح العرف القتل بناءً على الشبهة، والظن، وقول القيل والقال لحماية "السمعة" المصنوعة من زجاج.
الازدواجية الأبوية المقيتة: بينما يُسوّى في الدين بين الذكر والأنثى في المسؤولية الأخلاقية والعقوبة، يغض العرف الأبوي الطرف عن أخطاء الرجال، بل ويتغاضى عنها، في حين يستبيح دم المرأة لمجرد التخمين!
إن غسل العار لا يكون بإراقة دماء المستضعفين، ولا بالهروب من مواجهة الانكسارات الحقيقية التي تمس كرامة الإنسان ووجوده، إنما هي عصبيةٌ جاهلية تعيد إنتاج العجز، وتستبدل العدالة والستر بالانتقام العاجز.
حان الوقت لنفهم أن الشرف الحقيقي هو في الوقوف ضد الظلم، وفي رفض الذل، وفي إقامة العدل على أنفسنا قبل غيرنا.

