آليات العرض والطلب المفقودة فى الأسواق
آليات العرض والطلب المفقودة فى الأسواق
تتمتع الأسواق المصرية بحالة غريبة وربما تكون نادرة، فالأسعار فيها «تزيد» فقط، ولا «تنخفض»، رغم أن القاعدة فى الإقتصاد الحر أن الأسعار تتحرك صعوداً وهبوطاً وفقاً لآليات العرض والطلب بعيداً عن «التسعيرة الجبرية»، وأيضاً بعيداً عن المغالاة والتقديرات الجزافية.
على سبيل المثال فقد انخفضت أسعار الوقود فى بعض دول العالم بمجرد إنخفاض أسعار البترول حيث تراجعت أسعار البنزين فى أمريكا بمعدل ٥٪ تقريباً، وكذلك فى الإمارات بنسبة ٤٪ تقريباً، وكذلك بعض الدول الأخرى.
ربما يختلف سعر البنزين فى مصر عن هذه الدول لأسباب عديدة، حيث لم نصل بعد إلى ما يمكن تسميته «بحساسية» السوق والاستجابة السريعة لها فى إرتفاع الأسعار، أو فى انخفاضها، فيما يخص أسعار البترول تحديدا، حيث لاتزال أسعار الوقود فى مصر غير حرة تماما.
لكن تبدو المشكلة أكثر وضوحاً فى السلع غير المدعومة تماما كالسلع الكهربائية والمنزلية مثل الثلاجات، والغسالات، وأجهزة التكييف، وأسعار السيارات، والحديد، والأسمنت، وغيرهم من تلك السلع والخدمات غير المدعومة على الإطلاق.
المفترض أن هذه السلع لابد أن تتمتع بما يمكن تسميته «حساسية الأسواق»؛ أى أنه طالما تم زيادتها بسرعة بعد إرتفاع سعر الدولار فلابد أن تنخفض بسرعة بعد إنخفاض سعر الدولار.
مؤخراً، فقد الدولار ما يقرب من خمسة جنيهات حيث كان سعره قد تجاوز أكثر من ٥٤ جنيهاً، إلا أنه خلال الفترة الأخيرة انخفض إلى نحو ٤٩ جنيهاً، أى أنه فقد أكثر من خمسة جنيهات بمعدل يصل إلى نحو ١٠٪ من قيمته ولايزال يواصل التراجع، ورغم ذلك لم تتأثر أسعار السلع والخدمات التى يتم تقويمها بأسعار الدولار، وهى قائمة طويلة تمتد من رغيف العيش الحر (بحسب أسعار القمح عالمياً) إلى كل السلع الكهربائية والمنزلية، وأسعار السيارات، والحديد، وغيرها من السلع.
فى نفس الاتجاه، قفزت تحويلات المصريين بالخارج من يوليو إلى مارس الماضى إلى نحو ٣٤.٩ مليار دولار بزيادة بلغت نحو ٣٢٪ عن الفترة نفسها من ٢٠٢٤ إلى ٢٠٢٥ والتى لم تتجاوز ٢٦.٤ مليار دولار.
إلى جوار ذلك فقد شهدت الصادرات الزراعية طفرة ضخمة حيث تم مضاعفة هذه الصادرات لتسجل نحو ١٢ مليار دولار بما يفوق دخل قناة السويس، إلى جوار زيادة الصادرات فى المجالات الأخرى.
كل هذه المؤشرات والأرقام تؤكد حالة التحسن الاقتصادى، والاستقرار النقدى، وتؤكد تجاوز الاقتصاد المصرى للأزمات «الخانقة» التى واجهته خلال الفترة الماضية بسبب الضغوطات الاقتصادية الهائلة الإقليمية والعالمية.
على عكس كل تلك المؤشرات والأوضاع، تسير الأسعار حيث لاتزال الأسعار ترتفع بشكل عشوائى وغير مبرر، كما حدث فى أسعار الحديد التى ارتفعت بمعدل نحو أربعة آلاف جنيه للطن مؤخراً، وكذلك باقى أسعار السلع والأجهزة التى لاتزال تعاند آليات السوق وترفض «الهبوط» رغماً عن أنف الجميع.
تحتاج الأسواق المصرية إلى مراجعة جادة وشاملة لتطبيق آليات السوق، والحد من جشع كبار التجار، وضرب المحتكرين، وحماية المستهلك الذى أصبح «الحلقة الأضعف» فى المنظومة كلها يكتوى بارتفاع الأسعار وقت الأزمات، ولا يجد أى مردود إيجابى وقت الهدوء والاستقرار، وتحسن المؤشرات.

