قراءة في ديوان ”إنها تتراءى لي” للشاعر محمد غازي النجار
شجن العزلة والبحث عن الأثر
بقلم/ إلهام عفيفي
تولد التجربة الشعرية الحقيقية من رَحِم "المشاهدة" والالتقاط البصري الذكي، لتتحول عبر لغة مكثفة إلى تساؤلات وجودية حول الغياب، والأثر، والفن.
في ديوانه الأحدث "إنها تتراءى لي" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يقدّم الشاعر محمد غازي النجار مدخلاً جمالياً مغايراً في بنية قصيدة التفعيلة والنثر المعاصرة؛ مدخلاً يتجاوز السائد ليعيد رسم ملامح اليومي والعابر بطاقة تعبيرية لافتة.
شعرية التخفي.. ثنائية الرؤية والترائي
يضعنا عنوان الديوان مباشرة أمام حالة من عدم اليقين البصري والحسي؛ فـ"الترائي" في جوهره اللغوي ليس رؤية عينية مكتملة النضج، بل هو ظهور طيفي يراوح في المنطقة الوسطى بين الوجود والعدم، وبين الحقيقة والسراب.
تظل الـ "ها" (ضمير الغائب المتصل) في العنوان تائهة، مراوغة، ترفض الاستقرار على دلالة أحادية؛ إنها تارةً "القصيدة" في تجليها الأول، وتارةً "المرأة/ الحبيبة" بوصفها رمزاً للسكينة المفقودة، وتارةً أخرى هي "الطفولة" أو "الأرض البكر" قبل أن تلوثها حداثة الآلة وضجيج المدينة.
ولكي يجسد الشاعر هذا الطيف، فإنه يتكئ على تقنية "المونتاج السينمائي"؛ فلا نراه خطيباً يعتلي منبراً، بل مبدعاً يمسك بكاميرا خفية ليتجول في الهوامش المنسية، ينتقل بسلاسة من الكلي إلى الجزئي، فيرى طيفه مخبوءاً في "جذر نبات شق وجوده فوق سطح عمارة قديمة"، أو في "كوب شاي يلتصق به ضوء الغروب"، محولاً القارئ إلى شريك حتمي في عملية "الترائي".
المفارقة اليومية والانحياز للهامش
من أبرز السمات الجمالية في الديوان قدرة النجار على استنطاق الجماد، وتحويل التفاصيل العادية التي قد تمر بها العين العابرة دون أثر، إلى بؤر متفجرة بالشعر. يتخلى الشاعر هنا عن القواميس الفخمة والعبارات الرنانة المترهلة، وينحاز إلى لغة دافئة وقريبة من النبض؛ فالوجع الإنساني لديه لا يحتاج إلى صراخ، بل يتبدى هامساً في "المقاهي المكتظة" و"الشوارع الخالية بعد منتصف الليل".
وتتحول "الأنسنة" في نصوص الديوان إلى آلية دفاع نفسية؛ فحين تصبح مدن الصخب ضاغطة على روح الشاعر، يعيد بناء العالم بخلع الروح على مفرداته؛ لتصبح الصخرة كائناً يصرخ عند السقوط. وفي القصيدة الرئيسية التي يحمل الديوان عنوانها، يتجلى هذا البحث الطيفي في أدق تفاصيل الحاضرة المدينية وأكثرها تهميشاً، حيث يقول:
بِتُّ ليلتَها –كعادتي- أفتّشُ عنها وأفتحُ البابَ بعدَ البابْ..
محبوستةً رأيتُها بينَ الخرافِ والسياجْ..
ورأيتُها معزولةً معَ جذرِ نباتْ.. شقَّ وجودَهُ فوقَ سطحِ عمارةٍ قديمةٍ بينَ السورِ والبلاطْ..
هنا تتضح عين "السينمائي"؛ فالشاعر لا يتأمل الطبيعة في حدائقها الغناء المترفة، بل يقتنص الجمال العنيد النامي بين خرسانة "سطح عمارة قديمة"، بينما يبرز الإيقاع الحركي السريع للأفعال (أفتش، أفتح، رأيتها) حالة القلق الوجودي والركض وراء طيف يرفض الامتثال والاستقرار.
الكلاروسكورو.. التناص البصري والموسيقي
لا يتحرك نص محمد غازي النجار معزولاً عن الفنون المجاورة، بل يتغذى بوعي على الموسيقى والفن التشكيلي لتعميق دلالاته. إن استحضاره لسوناتا بيانو "ضوء القمر" لبيتهوفن في هوامش ومتون القصائد ليس مجرد حِليَة أسلوبية، بل هو "مفتاح ضبط" حسي وخلفية نغمية تعوض غياب القافية الرتيبة، وتخلق إيقاعاً داخلياً متموجاً يتصاعد ويهبط مع تضاريس الحالة النفسية للذات الشاعرة المغتربة الباحثة عن خلاصها.
هذا التناص السمعي يوازيه تشكيلياً استخدامٌ بارع للضوء والظلال، فيما يشبه لوحات "الكلاروسكورو" القائمة على التضاد الحاد بين العتمة والنور؛ إذ تتحرك القصائد في مناخات ليلية أو لحظات غروب برزخية يتلاشى فيها اليقين وتنشط الذاكرة المخاتلة. وهنا ينتقل الترائي من إطاره المادي الملموس إلى إطار معرفي صِرف، يقول الشاعر:
ومنطويةً داخلَ كتابْ.. لا تكشفُ نفْسَها إلا للمشتعلينَ شغفا..
ستراها في كائنٍ عاشَ عمرَهُ كُلَّه تحتَها..
وقبلَ النومِ بهُنَيْهةْ.. وعندَ الصحوِ فجأةً ستراها.
يتجلى هنا بوضوح ذلك "الكلاروسكورو النفسي" المتمثل في التضاد بين الوعي واللاوعي؛ فعبارة "قبل النوم بهنيهة وعند الصحو فجأة" تحيلنا إلى اللحظات الفاصلة التي يضعف فيها اليقين العقلي الصارم لتنشط الرؤى الطيفية الصادقة. كما أن أنسنة الكتاب، وجعله كائناً ينطوي على سره ولا يبوح به إلا "للمشتعلين شغفاً"، تدعم فكرة أن الشعر عند النجار هو طقس كشفي صوفي، لا يمنح نفسه مجاناً للعابرين.
سيولة البنية والخواتيم المباغتة
يمثل النجار في هذا العمل جيلاً متجاوزاً لا يرى صراعاً قسرياً بين الأشكال الموسيقية؛ فهو يطوع "التفعيلة" برقة بالغة تجعلها تقترب من سيولة النثر، ويشحن "النثر" بتكثيف داخلي يمنحه طاقة غنائية هامسة ومؤثرة.
تتميز جملة الشعرية بالقصَر والسرعة، والاتكاء الواضح على الأفعال الحركية المتلاحقة (أفتش، أفتح، رأيتها، تنطوي). هذا التسارع اللغوي يخدم فكرة "الترائي" ذاتها؛ فالطيف يظهر ويختفي بغتة، ولا يحتمل ترهل الجمل الطويلة. ومن ثمَّ، تأتي الخواتيم في معظم القصائد بـ"ضربة شعرية" ذكية ومفاجئة، تعيد ترتيب دلالات النص كاملة في ذهن المتلقي، وتتركه في حالة تأمل ممتد بعد إغلاق الصفحة.
وأخيرا
في رأيي أن ديوان "إنها تتراءى لي" لمحمد غازي النجار ليس مجرد تجميع لقصائد، بل هو وثيقة شعرية ناضجة عن "شجن العزلة والبحث عن الأثر"، نجح الشاعر من خلالها في تحويل القلق الوجودي الحارق إلى نص بصري وموسيقي عذب، متفادياً السقوط في فخ الغموض المضلل أو التبسيط المخل. إنه ديوان يحتفي باللحظة الهاربة، ويجبرنا كقراء أن نتلوى ونتلفت حولنا لنبصِر ما يتراءى لنا في تفاصيل حياتنا المنسية.



