الجمعة 31 يوليو 2026 08:01 مـ 15 صفر 1448 هـ
بوابة النور الاخبارية
رئيس التحرير محمد حلمي المشرف العام عبدالرحمن معوض
×

أبوبكر الديب يكتب: مصر والسعودية.. محور تنموي يتشكل في صمت

الجمعة 31 يوليو 2026 03:43 مـ 15 صفر 1448 هـ
أبوبكر الديب يكتب: مصر والسعودية.. محور تنموي يتشكل في صمت

لم تعد العلاقات الاقتصادية بين مصر والمملكة العربية السعودية مجرد امتداد لروابط تاريخية راسخة أو انعكاسًا لتوافق سياسي واستراتيجي يجمع البلدين منذ عقود، بل دخلت مرحلة جديدة تحمل ملامح تحول نوعي في طبيعة الشراكة وأهدافها. ففي ظل إعادة تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي، وتصاعد المنافسة الدولية، واضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، وتغير أنماط الاستثمار، تبرز القاهرة والرياض باعتبارهما ركيزتين اقتصاديتين تمتلكان من المقومات ما يؤهلهما لبناء نموذج متقدم من التكامل الاقتصادي العربي.

ويستند هذا التحول إلى عناصر قوة متكاملة لدى الجانبين؛ فالسعودية، عبر رؤية 2030، تسعى إلى تنويع اقتصادها وتوسيع استثماراتها في القطاعات الإنتاجية، بينما تمتلك مصر سوقًا يتجاوز 110 ملايين نسمة، وقاعدة صناعية متنوعة، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا يجعلها بوابة للتجارة بين إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.

ولم يعد نجاح العلاقة الاقتصادية يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو قيمة التبادل التجاري، رغم أهميتهما، وإنما بقدرة البلدين على بناء شراكات إنتاجية وصناعية طويلة الأجل، تقوم على توظيف المزايا النسبية لكل طرف بما يحقق قيمة مضافة ويعزز القدرة التنافسية للاقتصادين.

وخلال السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات التجارية نموًا ملحوظًا، إذ تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 16 مليار دولار خلال عام 2024، وهو ما يعكس مكانة أكبر اقتصادين عربيين من حيث التأثير الإقليمي. كما تنوعت حركة التجارة لتشمل المنتجات الغذائية والزراعية ومواد البناء والصناعات الكيماوية من الجانب المصري، مقابل البتروكيماويات والطاقة والمنتجات الصناعية والاستثمارية من الجانب السعودي.

ورغم هذا النمو، فإن الإمكانات الاقتصادية للبلدين ما تزال أكبر بكثير من حجم التعاون الحالي. فالمرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من نموذج تبادل السلع إلى نموذج سلاسل الإنتاج المشتركة، بحيث تتوزع مراحل التصنيع بين البلدين، بما يعزز الصادرات ويرفع القيمة المضافة ويخدم الأسواق الإقليمية والدولية.

ويمثل الاستثمار السعودي في مصر إحدى الركائز الأساسية لهذه الشراكة، حيث تمتد الاستثمارات إلى قطاعات العقارات والسياحة والزراعة والطاقة والصناعة والخدمات المالية، بما يعكس ثقة المستثمر السعودي في الاقتصاد المصري وقدرته على تحقيق عوائد طويلة الأجل. كما يسهم التوسع في القطاعات الإنتاجية في دعم التشغيل وزيادة الصادرات وتعزيز جاذبية السوق المصرية للاستثمارات الأجنبية.

وفي المقابل، توفر السوق السعودية فرصًا واعدة للشركات المصرية، خاصة في ظل المشروعات العملاقة المرتبطة برؤية السعودية 2030. وتمتلك الشركات المصرية خبرات واسعة في مجالات المقاولات والبنية التحتية والتطوير العقاري والخدمات الهندسية والصناعات الغذائية وتكنولوجيا المعلومات، ما يؤهلها للمشاركة بفاعلية في تنفيذ مشروعات التنمية داخل المملكة.

ويظل العنصر البشري أحد أهم عوامل قوة العلاقات بين البلدين، إذ يشكل المصريون العاملون في السعودية جسرًا اقتصاديًا واجتماعيًا يعزز الروابط بين الشعبين، فيما تمثل تحويلاتهم المالية أحد المصادر المهمة للعملة الأجنبية للاقتصاد المصري، بما يدعم الاستقرار الاقتصادي.

كما يحمل التعاون في قطاع الطاقة آفاقًا استراتيجية واسعة، لا سيما مع توجه البلدين نحو الطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر. ويعد مشروع الربط الكهربائي المصري السعودي، الذي يستهدف نقل قدرة تصل إلى ثلاثة آلاف ميجاوات، خطوة مهمة نحو بناء شبكة طاقة إقليمية متكاملة، إلى جانب الفرص الواعدة في مجالات الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر.

وتعزز الجغرافيا المميزة للبلدين فرص التعاون في النقل والخدمات اللوجستية، حيث تمتلك مصر قناة السويس وموانئ استراتيجية على البحرين الأحمر والمتوسط، فيما تتمتع السعودية بموقع يربط بين قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا، وهو ما يهيئ البلدين لتأسيس محور إقليمي مؤثر في حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

ورغم قوة العلاقات الاقتصادية، فإن الوصول إلى مستويات أعلى من التكامل يتطلب مواصلة تحسين بيئة الاستثمار، وتسهيل إجراءات تأسيس الشركات، وتطوير آليات تحويل الأرباح، وإزالة العقبات أمام حركة التجارة، إلى جانب توسيع مشاركة الشركات السعودية في القطاعات الإنتاجية المصرية، وزيادة الصادرات المصرية إلى السوق السعودية بما يحقق مزيدًا من التوازن في العلاقات الاقتصادية.

وتوفر الإرادة السياسية لدى قيادتي البلدين قاعدة صلبة للانتقال بهذه الشراكة إلى مرحلة أكثر تقدمًا، تقوم على تأسيس كيانات اقتصادية وصناعية مشتركة تستهدف أسواق إفريقيا وآسيا وأوروبا، مستفيدة من الإمكانات البشرية والمالية والموقع الجغرافي الذي يتمتع به الطرفان.

وفي المحصلة، لا تحتاج مصر والسعودية إلى بناء علاقة اقتصادية جديدة بقدر ما تحتاجان إلى تطوير الشراكة القائمة وتحويلها إلى نموذج عربي متكامل يعتمد على الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا والمعرفة. وإذا نجح هذا النموذج، فلن تقتصر آثاره على البلدين فحسب، بل سيمثل تجربة عربية رائدة تؤكد أن التكامل الاقتصادي بين القوى الإقليمية قادر على مواجهة التحديات العالمية، وتعزيز التنمية المستدامة، وخلق فرص العمل، وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.