ابتكار علمي جديد يعزز وصول الأدوية إلى الدماغ لعلاج الأمراض العصبية
كتبت هينار ثروت
يمثل إيصال الأدوية إلى الدماغ أحد أكبر التحديات التي تواجه الأبحاث الطبية، خاصة في علاج الأمراض العصبية والتنكسية، مثل ألزهايمر وباركنسون، إلى جانب بعض أورام الدماغ. ويرجع ذلك إلى وجود حاجز بيولوجي يحمي الدماغ من السموم والمواد الضارة، لكنه في الوقت نفسه يمنع وصول كثير من الأدوية العلاجية إليه بكميات كافية.
وفي تطور علمي جديد، كشف باحثون عن تقنية مبتكرة تستهدف تجاوز هذه العقبة، من خلال استخدام جزيء صغير يعمل بمثابة وسيلة نقل تساعد على عبور الأدوية البيولوجية إلى أنسجة الدماغ، مع إمكانية تقليل وصولها إلى الأعضاء الأخرى.
ما التقنية الجديدة لإيصال الأدوية إلى الدماغ؟
نُشرت دراسة في مجلة «Nature Chemical Biology» في 26 أغسطس 2026، تناولت تطوير تقنية أطلق عليها الباحثون اسم «BrainCAB»، وتعتمد على ربط جزيء صغير بالدواء المراد إيصاله، ليساعده على عبور الحاجز الدموي الدماغي.
واستهدف الباحثون مستقبلًا يُعرف باسم الأنهيدراز الكربوني الرابع (CA-IV)، ويوجد بوفرة نسبية في الأوعية الدموية داخل الدماغ، ويمكن الاستفادة منه لتسهيل انتقال بعض الجزيئات العلاجية عبر الحاجز الواقي.
وتعتمد الفكرة على استخدام الجزيء الصغير بوصفه وسيلة نقل ترتبط بالمستقبل، فتساعد على انتقال الدواء من مجرى الدم إلى أنسجة الدماغ عبر آلية نقل خلوية طبيعية.
ويمكن ربط هذه الوسيلة بأجسام مضادة وجزيئات علاجية أخرى، ما يفتح المجال أمام تطوير طرق جديدة لتوصيل الأدوية الكبيرة التي يصعب عليها عبور الحاجز الدموي الدماغي بمفردها.
نتائج واعدة في التجارب الحيوانية
اختبر الباحثون التقنية في تجارب على الفئران، كما درسوا وصول الأدوية المرتبطة بها إلى الدماغ لدى قرود المكاك حديثة الولادة.
وأظهرت النتائج أن الأجسام المضادة المرتبطة بجزيء النقل وصلت إلى أنسجة الدماغ بتركيزات أعلى مقارنة بالأجسام المضادة غير المرتبطة به. وفي تجارب الفئران، سجل الباحثون تركيزًا إجماليًا في الدماغ أعلى بنحو ثمانية أضعاف بعد سبعة أيام من إعطاء الجرعة، مقارنة بالدواء غير المعدل.
كما رصدت الدراسة استمرار وجود الجزيئات العلاجية في أنسجة الدماغ لفترة ممتدة، وصلت إلى سبعة أيام على الأقل في النماذج التي اختبرها الباحثون، مع انخفاض نسبي في تراكمها في بعض الأعضاء الطرفية.
وتشير هذه النتائج إلى إمكانية تحسين وصول بعض العلاجات إلى الدماغ، لكنها لا تثبت حتى الآن أن التقنية تحقق فاعلية علاجية لدى البشر أو أنها تعالج مرضًا عصبيًا بعينه.
لماذا يمثل الحاجز الدموي الدماغي تحديًا طبيًا؟
يتكون الحاجز الدموي الدماغي من خلايا متخصصة في الأوعية الدموية، ترتبط بإحكام لتنظيم المواد التي تنتقل من الدم إلى الدماغ.
وتتمثل وظيفته الأساسية في حماية الأنسجة العصبية الحساسة من مسببات الأمراض والسموم، لكنه يحد أيضًا من وصول كثير من الأدوية، خصوصًا الأجسام المضادة والإنزيمات والجزيئات العلاجية الكبيرة.
ولهذا، يعمل العلماء على تطوير وسائل متعددة لتجاوز هذه المشكلة، تشمل الجسيمات النانوية والموجات فوق الصوتية المركزة وتقنيات النقل المعتمدة على المستقبلات الخلوية.
هل تصبح التقنية متاحة للمرضى قريبًا؟
رغم النتائج المشجعة، لا تزال تقنية BrainCAB في مرحلة البحث قبل السريري، وتحتاج إلى مزيد من الدراسات لتقييم سلامتها وفاعليتها وجرعاتها المناسبة قبل الانتقال إلى التجارب السريرية على البشر.
كما يتعين على الباحثين التحقق من قدرة التقنية على إيصال أدوية مختلفة إلى المناطق الدماغية المستهدفة، ودراسة الآثار الجانبية المحتملة على المدى الطويل.
ومن المهم عدم الخلط بين نجاح وسيلة توصيل الدواء إلى الدماغ وبين إثبات قدرة الدواء نفسه على علاج المرض؛ فكل خطوة تحتاج إلى تقييم علمي مستقل.
الخلاصة: يقدم ابتكار BrainCAB نهجًا واعدًا لتحسين وصول الأدوية البيولوجية إلى الدماغ، وقد يساهم مستقبلًا في تطوير علاجات لأمراض عصبية يصعب التعامل معها بالوسائل التقليدية. لكن الاستفادة الطبية الفعلية من التقنية ستظل مرهونة بنتائج الدراسات اللاحقة وإثبات السلامة والفاعلية لدى البشر.

