نسخة مرممة من «قنديل أم هاشم» تحتفي بكلاسيكيات السينما المصرية في مهرجان القاهرة
كتبت هينار ثروت
يعود الفيلم المصري «قنديل أم هاشم» إلى شاشة السينما من جديد، بعد مرور أكثر من نصف قرن على عرضه الأول، من خلال نسخة مرممة تُعرض ضمن فعاليات الدورة السابعة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، في خطوة تعيد تسليط الضوء على أحد الأعمال البارزة في تاريخ السينما المصرية، لما يحمله من أبعاد اجتماعية وفكرية لا تزال تثير النقاش حتى اليوم.
ويستند الفيلم إلى رواية الأديب المصري يحيى حقي التي تحمل الاسم نفسه، وهي من الأعمال الأدبية المهمة التي تناولت العلاقة بين العلم والمعتقدات الشعبية، والصراع بين الحداثة والتراث، وكيف يمكن للإنسان أن يوازن بين ما يتعلمه من المعرفة الحديثة وما يرثه من أفكار وتقاليد المجتمع المحيط به.
«قنديل أم هاشم».. من الأدب إلى الشاشة
عُرض الفيلم للمرة الأولى عام 1968، وأخرجه كمال عطية، فيما كتب السيناريو والحوار صبري موسى، وشارك في بطولته شكري سرحان في دور إسماعيل، وسميرة أحمد في دور فاطمة، إلى جانب عبد الوارث عسر وأمينة رزق وصلاح منصور وماجدة الخطيب.
ونجح العمل في نقل جوهر رواية يحيى حقي إلى الشاشة، من خلال معالجة درامية تضع الشخصية الرئيسية أمام اختبار صعب بين قناعاته العلمية وما يحيط به من معتقدات راسخة. ولم يقتصر الفيلم على تقديم حكاية اجتماعية، بل فتح بابًا للتأمل في طبيعة العلاقة بين الفرد ومجتمعه، وحدود الاختلاف بين الأجيال، وأهمية الحوار في التعامل مع الموروث الثقافي.
قصة الفيلم.. مواجهة بين العلم والموروث الشعبي
تدور الأحداث حول إسماعيل، الشاب الذي ينشأ في حي السيدة زينب بالقاهرة، ثم يسافر إلى ألمانيا لدراسة الطب، وهناك يتعرف إلى نمط حياة مختلف وتتغير نظرته إلى العالم بفعل التجربة والتعليم.
وبعد عودته إلى مصر، يعمل طبيبًا للعيون ويفتتح عيادة في الحي الذي نشأ فيه، لكنه يكتشف أن بعض الأهالي يلجأون إلى زيت قنديل المسجد لعلاج أمراض العيون، اعتقادًا منهم بقدرته على الشفاء، وهو ما يتعارض مع معرفته الطبية ويؤدي إلى تفاقم معاناة بعض المرضى.
وتزداد الأزمة تعقيدًا عندما يكتشف أن خطيبته فاطمة تؤمن هي الأخرى بهذه الممارسات، فيجد نفسه أمام صدام لا يتعلق بالطب وحده، وإنما يمتد إلى علاقته بأسرته وأهل الحي. ومع تصاعد الخلاف، يحاول إسماعيل فرض قناعته بالقوة، قبل أن يدرك أن مواجهة المعتقدات المتوارثة تحتاج إلى فهم أعمق لطبيعة الناس ومجتمعهم.
ومن خلال هذه الأحداث، يقدم الفيلم طرحًا يتجاوز ثنائية العلم والخرافة، ليكشف صعوبة التغيير عندما يصطدم بأساليب الحياة التي اعتادها المجتمع، كما يبرز أهمية التواصل والاقتراب من الناس بدلًا من الاكتفاء بإدانة أفكارهم.
ترميم الأفلام.. حماية لذاكرة السينما المصرية
يمثل عرض النسخة المرممة من «قنديل أم هاشم» فرصة جديدة للأجيال الحالية لاكتشاف العمل على شاشة المهرجان، كما يسلط الضوء على أهمية ترميم الأفلام الكلاسيكية والحفاظ على عناصرها البصرية والصوتية، بما يضمن استمرار حضورها في الذاكرة الثقافية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل ما تمثله السينما من سجل لتغيرات المجتمع وتحولاته الفكرية، إذ لا تقتصر قيمة الأفلام القديمة على كونها أعمالًا فنية من زمن مضى، بل تمتد إلى قدرتها على طرح أسئلة إنسانية واجتماعية تتجدد مع اختلاف الأجيال.
وبعودة «قنديل أم هاشم» في نسخة مرممة، يستعيد مهرجان القاهرة السينمائي جانبًا من تراث الشاشة المصرية، ويمنح الجمهور فرصة لمشاهدة عمل جمع بين قيمة النص الأدبي وقوة المعالجة السينمائية، وظل حاضرًا بفضل قضاياه التي تتجاوز زمن إنتاجه، وتؤكد أن الكلاسيكيات الحقيقية تحتفظ بقدرتها على مخاطبة الحاضر مهما مر عليها من سنوات.

