ذكرى رحيل نيازي مصطفى.. مخرج صنع تاريخًا ولم يشاهد فيلمه الأخير
كتبت هينار ثروت
تحل ذكرى رحيل المخرج نيازي مصطفى، أحد أبرز رواد الإخراج في السينما المصرية، الذي ترك وراءه رصيدًا فنيًا ضخمًا وأعمالًا أصبحت جزءًا من ذاكرة الجمهور، قبل أن تنتهي حياته في واقعة غامضة لا تزال تفاصيلها تثير التساؤلات. ولم يكن رحيله في أكتوبر 1986 نهاية لمسيرته الفنية فحسب، بل جاء أيضًا قبل أن يشاهد فيلمه الأخير «القرداتي» معروضًا في دور السينما.
ولد نيازي مصطفى في أسيوط يوم 11 نوفمبر 1910، لأب سوداني وأم تركية، وبدأ رحلته مع الفن من خلال دراسة السينما في ألمانيا، حيث التحق بمعهد متخصص في فنونها وتقنياتها. وهناك اكتسب معرفة بأساليب التصوير والإخراج، قبل أن يعود إلى مصر ويبدأ العمل في استوديو مصر، أحد أهم المؤسسات التي أسهمت في تأسيس صناعة السينما المصرية الحديثة.
من المونتاج إلى الإخراج
عمل مصطفى في بداياته بقسم المونتاج في استوديو مصر، ثم انتقل إلى الإخراج، مستفيدًا من خبرته التقنية واهتمامه بتفاصيل الصورة والحركة. وقدم أول أفلامه الإخراجية عام 1937 من خلال «سلامة في خير»، بطولة الفنان نجيب الريحاني، ليبدأ مسيرة طويلة جمع خلالها بين الحرفة السينمائية والقدرة على تقديم أعمال متنوعة تناسب أذواق الجمهور.
ولم تقتصر خبرته على إدارة الممثلين وتصوير المشاهد، بل امتدت إلى المونتاج والمؤثرات البصرية، وهو ما انعكس على أسلوبه في التعامل مع الحركة والإيقاع، خاصة في أفلام المغامرات والمطاردات والمعارك التي عُرف بها لاحقًا.
وعلى مدار عقود، أصبح نيازي مصطفى من أكثر المخرجين غزارة في الإنتاج، إذ أخرج عشرات الأفلام التي تنوعت بين الكوميديا والأكشن والأعمال الاجتماعية والتاريخية، وامتد رصيده السينمائي إلى أكثر من مائة فيلم، لتصبح تجربته واحدة من التجارب اللافتة في تاريخ الإخراج المصري.
«رصيف نمرة 5» و«عنتر بن شداد».. أعمال صنعت بصمته
ترك نيازي مصطفى مجموعة من الأفلام التي لا تزال حاضرة في ذاكرة السينما المصرية، من بينها «رصيف نمرة 5»، الذي يُعد من أبرز أعمال التشويق والجريمة، و«سر طاقية الإخفاء»، الذي قدم معالجة تجمع بين الخيال والكوميديا، إلى جانب «أبو حديد» و«عنتر بن شداد» و«30 يوم في السجن» و«أخطر رجل في العالم».
وتكشف هذه الأعمال عن قدرته على الانتقال بين الأنواع السينمائية المختلفة، من المغامرات والحركة إلى الكوميديا، مع الحفاظ على إيقاع واضح وجاذبية جماهيرية. كما ارتبط اسمه بأفلام قدمت نجومًا في أدوار متنوعة، وأسهمت في ترسيخ مكانة السينما بوصفها صناعة جماهيرية قادرة على الجمع بين الترفيه والحرفة الفنية.
وكانت حياته الشخصية مرتبطة أيضًا بالوسط الفني، إذ تزوج الفنانة كوكا، التي اشتهرت بأدوار الفتاة البدوية، وشاركت معه في رحلة فنية امتدت لسنوات.
«القرداتي».. الفيلم الذي لم يشاهده في دور العرض
كان فيلم «القرداتي»، بطولة فاروق الفيشاوي، آخر الأعمال التي أخرجها نيازي مصطفى، لكنه رحل قبل أن يشاهده معروضًا للجمهور. وتحولت هذه المفارقة إلى واحدة من أكثر المحطات حزنًا في سيرته، إذ انتهت رحلته بينما كان لا يزال يعمل في السينما ويستعد لتقديم عمل جديد.
وفي أكتوبر 1986، عُثر على المخرج الراحل مقتولًا داخل شقته في ظروف غامضة، وقُيدت القضية ضد مجهول بعدما لم تسفر التحقيقات عن تحديد الجاني، لتظل واقعة مقتله واحدة من القضايا التي ارتبطت باسمه إلى جانب تاريخه الفني.
وبرحيله، فقدت السينما المصرية مخرجًا امتلك خبرة تقنية واسعة وحضورًا مؤثرًا في صناعة الأفلام لعقود. غير أن أعماله بقيت شاهدة على مسيرة طويلة بدأت مع بدايات تطور السينما المصرية، واستمرت عبر أجيال مختلفة من الفنانين، لتؤكد أن أثر المخرج لا ينتهي برحيله، بل يظل حاضرًا في الأفلام التي تركها للأجيال التالية.

