الأحد 8 نوفمبر 2026 03:48 مـ 27 جمادى أول 1448 هـ
بوابة النور الاخبارية
رئيس التحرير محمد حلمي المشرف العام عبدالرحمن معوض
×

سقوط القيم .. عندما يصبح الوصول أهم من الاستحقاق

الأحد 8 نوفمبر 2026 12:57 مـ 27 جمادى أول 1448 هـ
سقوط القيم .. عندما يصبح الوصول أهم من الاستحقاق

كتبت : نجوى فياض

لم تعد المشكلة في أن يسعى الإنسان إلى النجاح فالسعي إلى التقدم والطموح حق مشروع بل تكمن الأزمة في أن يتحول الوصول إلى الهدف إلى غاية تبرر كل الوسائل حتى وإن كان ثمنها التخلي عن المبادئ أو التفريط في القيم. وهنا لا نكون أمام أزمة نجاح بل أمام أزمة ضمير تكشف خللًا عميقًا في فهم الإنسان لمعنى النجاح الحقيقي
نعيش في زمن أصبحت فيه المظاهر أحيانًا أكثر حضورًا من الحقائق وأصبح البعض يقيس قيمة الإنسان بما يمتلكه من مال أو نفوذ أو مكانة اجتماعية دون أن يتوقف أمام ما يحمله من أخلاق أو ما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين وكأن الوصول إلى القمة أصبح أهم من الطريقة التي وصلنا بها إليها
والأخطر من ذلك أن بعض الممارسات التي كانت تُعد خروجًا عن المبادئ باتت تُبرر تحت مسميات مختلفة فالتنازل عن الحق يُسمى ذكاءً والتلون يُسمى مرونة واستغلال الآخرين يُسمى مهارة في اقتناص الفرص وهكذا تتغير معاني الأشياء لا لأن القيم فقدت أهميتها بل لأن البعض لم يعد يريد الالتزام بما تفرضه عليه
وقد عبّر أمير الشعراء أحمد شوقي عن حقيقة لا تفقد صلاحيتها مهما تغيرت الأزمنة حين قال:
( وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا )
إن هذا البيت لا يتحدث عن الأخلاق باعتبارها فضيلة فردية فحسب بل يضعها في قلب بقاء الأمم واستقرار المجتمعات فالمجتمع الذي تتراجع فيه الأمانة، ويغيب عنه العدل وتصبح فيه المصلحة الشخصية فوق كل اعتبار يفقد تدريجيًا أهم مقومات تماسكه وثقة أفراده بعضهم ببعض
ولا يمكن أن نحمّل الأفراد وحدهم مسؤولية هذا التراجع فالمؤسسات أيضًا تتحمل جانبًا من المسؤولية حين لا تكون معايير التقدير قائمة على الكفاءة والاستحقاق وحين لا يجد صاحب المبدأ التقدير الذي يستحقه بينما يحظى أصحاب المصالح بفرص أكبر فالقيم لا تُحمى بالمواعظ وحدها وإنما ببيئة عادلة تكافئ الاجتهاد وتحترم الأمانة وترفض الفساد
إننا بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم النجاح وأن ندرك أن المنصب لا يمنح صاحبه قيمة إنسانية تلقائية وأن الشهرة ليست دليلًا على التفوق وأن المكسب الذي يتحقق على حساب كرامة الآخرين لا يمكن اعتباره إنجازًا حقيقيًا
فالنجاح الذي يفقد الإنسان احترامه لنفسه ليس نجاحًا والمكانة التي تُبنى على حساب المبادئ تظل مهددة بالسقوط مهما بدت راسخة
إن المجتمعات لا تحتاج فقط إلى أشخاص يمتلكون القدرة على الوصول بل تحتاج إلى أشخاص يعرفون كيف يصلون دون أن يتخلوا عن ضمائرهم فالأخلاق ليست عائقًا أمام التقدم وإنما هي الضمانة التي تمنح هذا التقدم معناه واستمراره
وفي النهاية ليست العبرة بعدد الأبواب التي استطاع الإنسان فتحها بل بما إذا كان قد احتفظ بمبادئه وهو يعبر منها فهناك انتصارات تبدو في ظاهرها مكاسب لكنها في حقيقتها خسائر لا يعوضها منصب ولا مال ولا شهرة