دراما بلا عنف مفرط..
أعمال مصرية تعيد الاعتبار للرسالة الصحية والاجتماعية
تشهد الدراما المصرية خلال الفترة الأخيرة حالة من الجدل الواسع، على خلفية تصاعد الانتقادات الموجهة لمحتوى عدد من الأعمال التي تركز على مشاهد العنف والبلطجة والتدخين وتعاطي المخدرات، وهو ما اعتبره متابعون مؤثرًا بشكل مباشر على سلوكيات فئات واسعة من المشاهدين، خاصة من الشباب والمراهقين.
في المقابل، بدأت بعض الأعمال الدرامية تفرض حضورها عبر طرح قضايا صحية واجتماعية بأسلوب واقعي، يعتمد على السرد المباشر والمعالجة الهادئة دون تهويل أو افتعال، ما أعاد فتح النقاش حول دور الدراما في تشكيل الوعي العام.
أعمال حديثة تطرح بدائل مختلفة
برز خلال الفترة الماضية عدد من المسلسلات التي اعتمدت على تقديم رسائل توعوية واضحة، دون التخلي عن عنصر الترفيه، من بينها مسلسلا لا ترد ولا تستبدل وكارثة طبيعية، اللذان حظيا باهتمام نقدي وجماهيري لارتباط موضوعاتهما بمشكلات واقعية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
هذه الأعمال قدمت نماذج مختلفة عن الصورة النمطية السائدة، وابتعدت عن الاعتماد على الإثارة المرتبطة بالعنف أو الصراع المفتعل، مقابل التركيز على قضايا صحية وأسرية واجتماعية، مع الالتزام بسياق درامي متماسك.
لا ترد ولا تستبدل ومعالجة قضايا الفشل الكلوي
يناقش مسلسل لا ترد ولا تستبدل مجموعة من القضايا المرتبطة بمرض الفشل الكلوي، وعلى رأسها صعوبة الحصول على متبرعين لإجراء عمليات زراعة الكلى، والتكلفة المالية المرتفعة، إلى جانب التعقيدات القانونية والآثار النفسية والاجتماعية التي تصاحب الإصابة بالمرض في سن مبكرة.
كما يتناول العمل مخاطر الإفراط في تناول المسكنات وتأثيرها السلبي على وظائف الكلى، مقدما هذه القضايا في إطار إنساني بعيد عن الخطاب المباشر، ما ساهم في وصول الرسائل الصحية إلى الجمهور دون افتعال أو مبالغة.
كارثة طبيعية وقضية الإنجاب في إطار كوميدي
على جانب آخر، قدم مسلسل كارثة طبيعية بطولة محمد سلام معالجة كوميدية لقضية اجتماعية معقدة، من خلال قصة زوجين يواجهان تحدي الحمل بخمسة توائم في وقت واحد، وما يترتب على ذلك من ضغوط نفسية وأعباء اقتصادية وتغيرات اجتماعية داخل الأسرة.
العمل اعتمد على الكوميديا الاجتماعية لطرح القضية، مع إظهار تأثير الحدث على العلاقات الأسرية ومسؤوليات الأبوة، دون السقوط في التهوين أو التهويل.
موسم الأوف سيزون ومساحة للتنوع
قال الناقد الفني أمين خيرالله إن موسم الأوف سيزون أتاح مساحة أوسع لتنوع الأفكار، في ظل تحول صناعة الدراما إلى نشاط مستمر على مدار العام، وهو ما فرض الحاجة إلى موضوعات جديدة بعيدا عن القوالب التقليدية.
وأوضح أن من أبرز سمات مسلسلات هذا الموسم غياب نمط البطل الشعبي، الذي يرتبط عادة بموسم رمضان، ما سمح بتقديم أنواع درامية مختلفة وتجارب أكثر جرأة في الطرح والمعالجة.
وفيما يتعلق بإدراج نصائح طبية داخل بعض الأعمال، أشار إلى أن الأمر جاء مدعومًا من وزارة الصحة في بعض الحالات، وهو ما شجع صناع الدراما على تضمين رسائل توعوية محددة دون الإخلال بالحبكة الدرامية.
التأثير النفسي والاجتماعي للدراما
من جانبه، أكد الدكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي أن تأثير المسلسلات الدرامية يفوق تأثير البرامج التلفزيونية التقليدية عند تناول القضايا الاجتماعية والصحية، نظرًا لقدرتها على الوصول السريع والتأثير المباشر في المشاهد.
وأوضح أن عملا دراميا واحدا ناجحا قد يكون أكثر تأثيرا من عشرات البرامج الحوارية، خاصة إذا قدم المعلومة بشكل علمي صحيح وبالاستعانة بمتخصصين.
وشدد على أهمية تعاون صناع الدراما مع أهل الاختصاص عند تناول موضوعات مثل الإدمان أو الصحة النفسية أو التغذية، مشيرا إلى مشاركته في جلسات نقاش مع عدد من صناع الأعمال الفنية لضمان الدقة العلمية.
التوازن مطلوب في الأعمال التوعوية
بدوره، يرى الدكتور حسن الخولي أستاذ علم الاجتماع أن أي عمل فني يتناول التوعية الصحية أو الاجتماعية يعد ظاهرة إيجابية، بشرط تقديمه بصورة معتدلة دون مبالغة أو إثارة غير مبررة للقلق.
وأكد أن الأعمال الهادفة التي تسعى إلى تنمية وعي المجتمع وتحسين السلوكيات اليومية محل ترحيب، في حين أن تقديم محتوى سلبي أو مضلل يمثل خطأ يجب التوقف عنده، مشددًا على أن الاعتدال والالتزام بالأساس العلمي هما الضمانة الأساسية لنجاح هذا النوع من الدراما.






