الجمعة 17 أبريل 2026 09:53 صـ 29 شوال 1447 هـ
بوابة النور الاخبارية
رئيس التحرير محمد حلمي
×

بين العطاء والنسيان.. الجحود كما صوره الأدب

الجمعة 17 أبريل 2026 06:42 صـ 29 شوال 1447 هـ
بين العطاء والنسيان.. الجحود كما صوره الأدب

ليس الجحود مجرد سلوك أخلاقي عابر ولا هو انفعال مؤقت يزول بزوال أسبابه بل هو خلل عميق في بنية الوعي الإنساني يعكس اضطراب العلاقة بين الإنسان وذاكرته وبين الفرد ومحيطه الاجتماعي فحين يُنكر الإنسان ما أُسدي إليه من خير أو يتجاهل فضل من وقفوا إلى جواره فإنه لا يكتفي بارتكاب خطأ أخلاقي بل يهدم أحد أهم الأسس التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية : الامتنان
لقد أدرك الأدب العربي منذ مراحله الأولى، خطورة هذه الظاهرة فصوّر الجحود بوصفه نقيضًا للوفاء وعدّه من سمات النفوس الضيقة التي تعجز عن إدراك قيمة العطاء غير أن اللافت في الأدب الحديث أنه لم يتعامل مع الجحود بوصفه صفة فردية فقط بل كشف عن أبعاده النفسية والاجتماعية وربطه بتحولات المجتمع وتبدل القيم
وفي هذا السياق يبرز اسم نجيب محفوظ بوصفه أحد أبرز من صوّروا تحولات العلاقات الإنسانية في المجتمع العربي الحديث ففي أعماله وخاصة في الثلاثية تتجلى صورة الإنسان الذي ينشأ في ظل قيم الوفاء والطاعة ثم ينقلب عليها مع تغير الظروف فالأب الذي أفنى عمره في تربية أبنائه يجد نفسه في مواجهة جيل جديد يسعى إلى الاستقلال ولو كان ذلك على حساب الاعتراف بفضل الماضي
( نجيب محفوظ : الثلاثية )
ولا يقدّم محفوظ هذا التحول بوصفه انحرافًا فرديًا بل باعتباره نتيجة طبيعية لتحولات اجتماعية أعمق حيث تتراجع القيم التقليدية أمام صعود النزعة الفردية وهنا لا يكون الجحود فعلًا مقصودًا دائمًا بل يصبح أحيانًا نتيجة لقطيعة زمنية بين جيلين فقد كل منهما القدرة على فهم الآخر
أما ( مصطفى محمود ) فيتناول الجحود من زاوية مختلفة أقرب إلى التأمل الفلسفي والروحي ففي كتابه رحلتي من الشك إلى الإيمان يشير إلى أن الإنسان يميل إلى نسيان النعمة حين يعتادها وكأن الاستقرار يُفقد الأشياء بريقها ويُضعف الإحساس بقيمتها وهذه الفكرة تكشف عن أحد أخطر أوجه الجحود وهو الجحود غير الواعي الذي لا يصدر عن سوء نية بل عن غفلة مستمرة
( مصطفى محمود : رحلتي من الشك إلى الإيمان )
ومن هذا المنطلق يصبح الجحود نتيجة مباشرة لغياب التأمل وانشغال الإنسان بذاته إلى حد يجعله غير قادر على رؤية ما حوله فالنعمة التي لا تُستحضر في الوعي تتحول إلى أمر عادي ثم إلى حق مكتسب ثم إلى شيء لا يُلتفت إليه حتى يُفقد
وفي منحى تحليلي اجتماعي يقدّم علي الوردي قراءة مختلفة للجحود من خلال مفهوم ( ازدواجية الشخصية ) الذي تناوله في كتابه مهزلة العقل البشري يرى الوردي أن الإنسان قد يعيش حالة من التناقض بين ما يؤمن به نظريًا وما يمارسه عمليًا فيتقبل الإحسان بل ويطلبه ثم يتنكر له حين تتغير مصلحته
( علي الوردي : مهزلة العقل البشري )
وهذا التفسير يضع الجحود في إطار أوسع لا بوصفه خللًا أخلاقيًا فقط بل بوصفه نتيجة لبنية اجتماعية تسمح بازدواجية المعايير فالفرد في مجتمع مضطرب القيم قد يجد نفسه مضطرًا إلى التكيف مع واقع لا يكافئ الوفاء بل قد يعاقب عليه أحيانًا
وإذا كان الجحود في هذه النماذج يتخذ طابعًا اجتماعيًا أو نفسيًا فإن الأدب الإنساني يمنحه بعدًا أكثر حميمية كما يظهر في كتابات مي زيادة ففي نصوصها لا يظهر الجحود كفعل صاخب بل كصمت موجع كنسيان بطيء كتحول تدريجي في مشاعر القرب إلى برود
( مي زيادة : ظلمات وأشعة )
وتكشف مي زيادة عن الوجه الأكثر قسوة للجحود حين يأتي من الأقربين من أولئك الذين يفترض أن يكونوا أوفى الناس وهنا لا يكون الألم ناتجًا عن الفعل ذاته بل عن خيبة التوقع عن انكسار الثقة عن إدراك أن العطاء لا يضمن دائمًا الاعتراف
إن الجمع بين هذه الرؤى المختلفة يكشف أن الجحود ليس ظاهرة بسيطة يمكن تفسيرها بعامل واحد بل هو نتيجة تفاعل معقد بين النفس والمجتمع والذاكرة فهو عند نجيب محفوظ نتاج لتحولات اجتماعية وعند مصطفى محمود نتيجة لغفلة روحية وعند علي الوردي انعكاس لازدواجية أخلاقية وعند مي زيادة تجربة إنسانية مؤلمة تمسّ جوهر العلاقات
ومن هنا يمكن القول إن الجحود في الأدب الحديث لم يعد مجرد صفة يُدان بها الإنسان بل أصبح موضوعًا للتحليل ومحاولة للفهم فالأدب في تعامله مع هذه الظاهرة لا يكتفي بإصدار الأحكام بل يسعى إلى كشف الأسباب وتفكيك البنية التي تنتجها
غير أن هذا الفهم لا يعني التبرير بل على العكس يزيد من خطورة الظاهرة لأنه يكشف عن انتشارها وتغلغلها في نسيج الحياة اليومية فحين يصبح الجحود أمرًا مألوفًا يفقد المجتمع أحد أهم عناصر تماسكه وهو الاعتراف المتبادل
فالإنسان لا يعيش فقط بما يملك بل بما يتذكر والذاكرة في هذا السياق ليست مجرد سجل للأحداث بل هي خزان للقيم تحفظ ما يجب أن يُحفظ وتعيد إنتاجه في السلوك وحين تختل هذه الذاكرة يفقد الإنسان بوصلته الأخلاقية ويصبح أكثر عرضة للانزلاق في سلوكيات تنكر الماضي وتفرغ الحاضر من معناه
وفي المقابل يظل الوفاء هو القيمة التي تعيد التوازن لا بوصفه مجرد ردّ للجميل بل باعتباره اعترافًا بالآخر وإقرارًا بدوره في تشكيل حياة الإنسان فالوفاء هو الذاكرة حين تكون عادلة وهو الوعي حين يكون حاضرًا وهو الأخلاق حين تتحول إلى ممارسة يومية
لقد نجح الأدب العربي قديمه وحديثه في أن يجعل من الجحود مرآة يرى فيها الإنسان نفسه ويعيد من خلالها النظر في علاقاته وفي الطريقة التي يتعامل بها مع من حوله وإذا كان العطاء هو ما يمنح الحياة معناها فإن الوفاء هو ما يحفظ هذا المعنى من الضياع
وفي النهاية يبقى السؤال مفتوحًا : هل الجحود اختيار أم نتيجة؟
ربما يكون الاثنين معًا فهو يبدأ كغفلة ويتحول إلى عادة ثم يصبح سلوكًا وقد ينتهي إلى طبع وبين هذه المراحل يملك الإنسان فرصة دائمة للمراجعة ولإعادة الاتصال بذاكرته واستعادة قدرته على الامتنان
فبين العطاء والنسيان لا يتحدد فقط شكل العلاقة بين الناس بل تتحدد قيمة الإنسان ذاته إما أن يكون وفيًّا فيحفظ ما أُعطي له ويضيف إليه أو يكون جاحدًا فيفقد ما لديه دون أن يدرك أنه الخاسر الأكبر