مصر بين الماضي والحاضر: من أميرات يحملن الأقواس إلى موانئ أفريقيا
بين اكتشاف أثري يعيد كتابة صورة الأميرة المصرية القديمة، وزيارة رئاسية تفتح آفاقاً جديدة في أفريقيا، تقدّم أخبار مصر هذا الأسبوع مثالاً واضحاً على كيف يتقاطع الماضي البعيد مع حاضر نشط دبلوماسياً واقتصادياً، في بلد لا يزال تاريخه يكشف مفاجآت جديدة بينما يواصل حضوره الإقليمي في الوقت نفسه.
أميرات يحملن السلاح قبل 4 آلاف عام
كشفت دراسة حديثة نُشرت في دورية Frontiers in Environmental Archaeology أن الأسلحة المعثور عليها في مقابر بعض أميرات الدولة الوسطى، بنات الملك أمنمحات الثاني، بمنطقة دهشور، لم تكن مجرد رموز ملكية أو قرابين جنائزية، بل أدوات استُخدمت فعلياً في التدريب البدني والحياة الواقعية. وفحص الباحثون بقايا 6 هياكل عظمية ملكية، أُعيد اكتشافها بالمتحف المصري عام 2020 بعد فقدانها لسنوات طويلة.
ما الذي كشفته العظام؟
- الأميرة "نوب حتب": انحناء فسيولوجي في عظمة المشط الثانية بيدها اليمنى، ناتج عن ضغط تثبيت القوس، وتضخم في عضلات شد الوتر
- الأميرة "إيتا": نمو قوي في عضلات الأطراف العلوية يتوافق مع استخدام الخناجر، وقد عُثر على خنجر مميز داخل تابوتها
- الأميرة "إيتاورت": آثار كسور ملتئمة في الضلوع وإصابات في القدم ناتجة عن أنشطة بدنية عنيفة أو قتالية
تتحدى هذه المؤشرات الصورة التقليدية الهادئة لنساء البلاط الملكي، وتثبت أن الأميرات مارسن أنشطة القوة والصيد الملكي، مع تمتعهن برعاية طبية وجراحية متقدمة ساعدت في التئام كسورهن بكفاءة لافتة لتلك الحقبة.
سقارة تكشف ثلاث مقابر جديدة من عصر الدولة الحديثة
أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية عن نجاح بعثتها العاملة بجبّانة "البوباسطيون" في سقارة في الكشف عن 3 مقابر صخرية تحمل نقوشاً هيروغليفية توثق تفاصيل عائلية وإدارية مهمة.
جدول سريع بأبرز المقابر المكتشفة
|
المقبرة |
اللقب أو الأهمية |
|
منتوحتب |
"المشرف على البلاد الأجنبية" و"المشرف على جيش مدينة خبشيت"، مع مناظر صيد ومشاهد عائلية |
|
بارع إم وايا (ساموت) |
"كبير التجار ببيت بتاح"، وتضم سجلاً عائلياً كاملاً لزوجته ووالدته وأبنائه الأربعة |
|
نحسي |
"المشرف على البيت"، مع نص يشير إلى عودة قائد من "بلاد نهرن" شمالي سوريا |
وتقدّم مقبرة "نحسي" تحديداً دليلاً وثائقياً نادراً على العلاقات المصرية الخارجية في تلك الحقبة التاريخية، ما يعزز فهم الباحثين لشبكة العلاقات الدبلوماسية والعسكرية المصرية القديمة.
من عظام الفراعنة إلى موانئ دار السلام
على الجانب الآخر من الخط الزمني، تواصل مصر حضورها الدبلوماسي والاقتصادي النشط في القارة الأفريقية. ففي زيارة رسمية إلى تنزانيا، شهد متابعو أخبار السيسي توقيع مذكرتي تفاهم بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والرئيسة التنزانية سامية صلوحو حسن في مجالات النقل والكهرباء والطاقة المتجددة، بالعاصمة دار السلام.
أبرز محاور التعاون المصري التنزاني
- استعداد مصر للانخراط في مشروع توسعة وتطوير ميناء دار السلام ضمن مخطط أوسع للمحاور اللوجيستية الإقليمية
- بحث مشروع استصلاح زراعي في الأراضي التنزانية لتحقيق الأمن الغذائي، مع خطة للتوسع تدريجياً نحو التصدير
- اقتراح خط ملاحي يربط ميناء "سفاجا" المصري بميناء "دار السلام"، وممر متعدد الوسائط يربط القاهرة بالعاصمة التنزانية
وأشادت الرئيسة التنزانية بمشروع سد "جوليوس نيريري" الذي نفذته شركات مصرية في بلادها، واصفة إياه بأنه "نموذج إيجابي للتعاون من أجل التنمية والرخاء"، فيما أكدت أن العلاقات بين البلدين "امتدت على مدى 62 عاماً" لتصبح شراكة راسخة تشمل التجارة والاستثمار والزراعة والنقل والصحة والتعليم.
لماذا تحمل هذه الزيارة أهمية استراتيجية؟
تتجاوز الزيارة الإطار الثنائي، إذ تناولت المباحثات أيضاً أوضاع الشرق الأوسط والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، إلى جانب سبل تعزيز العمل الأفريقي الجماعي، بما يعكس رغبة القاهرة في توظيف نجاحها الهندسي في تنزانيا، وعلى رأسه سد جوليوس نيريري، كبوابة لمزيد من المشروعات التنموية عبر القارة.
كيف يخدم الماضي حاضر مصر الدبلوماسي؟
لا تقتصر قيمة هذه الاكتشافات الأثرية على البحث العلمي وحده، بل تغذي أيضاً قطاع السياحة الذي يظل أحد أهم روافد الاقتصاد المصري، تماماً كما تسعى القاهرة اليوم لتوظيف خبراتها الهندسية والدبلوماسية المتراكمة، كما في مشروع سد جوليوس نيريري، لبناء نفوذ اقتصادي طويل الأمد في القارة الأفريقية.
أرقام تلخص زخم التعاون المصري الأفريقي
- 62 عاماً من العلاقات الدبلوماسية المتصلة بين القاهرة ودار السلام
- مذكرتا تفاهم موقعتان في مجالات النقل والكهرباء والطاقة المتجددة خلال زيارة واحدة فقط
- مقترح خط ملاحي جديد وممر متعدد الوسائط يربط ساحل البحر الأحمر المصري بشرق أفريقيا مباشرة
في الختام
من أميرات دهشور اللواتي أتقنّ استخدام القوس والخنجر قبل أربعة آلاف عام، إلى رئيس يوقّع اتفاقيات موانئ وزراعة في قلب أفريقيا اليوم، تثبت مصر أن حاضرها النشط لا ينفصل عن عمق تاريخها الغني بالمفاجآت. أي الخبرين أثار فضولك أكثر: ما كشفته عظام الأميرات، أم ما تحمله شراكة القاهرة ودار السلام من فرص مستقبلية؟

