نجيب محفوظ.. عشرون عامًا على الرحيل، وما زالت الحارة تتكلم
كتبت نجوى فياض....
في الذكرى العشرين لرحيل نجيب محفوظ، يبدو غيابه غريبًا؛ فكيف يغيب كاتب ما زالت شخصياته تمشي بيننا، وما زالت شوارعه ومقاهيه وحاراته تفتح أبوابها كلما أعدنا قراءة أعماله؟ عشرون عامًا مرّت، تغيرت خلالها أشياء كثيرة، لكن عالم محفوظ ظل قادرًا على أن يجد لنفسه مكانًا في حاضرنا، وكأنه لم يكتب عن زمن مضى، وإنما كتب عن الإنسان الذي لا يتغير كثيرًا مهما تغيرت الأيام.
لم يكن نجيب محفوظ يكتب مصر من بعيد، بل كان يقترب منها حتى يسمع نبضها. جعل من القاهرة بطلةً لأعماله، ومن الحارة عالمًا صغيرًا تتجاور فيه الأحلام والهزائم، والحب والخوف، والفقر والطموح، والإيمان والشك. ولذلك لم تكن الحارة عنده مجرد مكان، بل كانت صورة مصغرة للحياة نفسها.
كان يرى الإنسان في تفاصيله اليومية. لم يبحث عن أبطال خارقين، وإنما منح البطولة لأشخاص عاديين؛ موظف محدود الدخل، وامرأة تكافح من أجل بيتها، وشاب يحاول أن يجد لنفسه طريقًا، ورجل أنهكته الحياة ولم يتخلَّ عن حلمه. ومن خلال هؤلاء جميعًا كان محفوظ يطرح أسئلة أكبر من حكاياتهم: ماذا يفعل الإنسان حين تصطدم أحلامه بالواقع؟ وهل يستطيع أن يظل متمسكًا بمبادئه عندما تضيق به الحياة؟ وأين تنتهي مسؤولية الفرد وتبدأ مسؤولية المجتمع؟
وهنا تكمن واحدة من أهم أسرار خلود أدبه؛ فقد كان يكتب التفاصيل الصغيرة، لكنه كان يضع داخلها أسئلة كبيرة. لم تكن شخوصه مجرد شخصيات روائية، بل كانت مرايا يرى القارئ فيها شيئًا من نفسه، أو من شخص يعرفه، أو من مجتمع يعيش داخله.
ومن «الثلاثية» إلى «زقاق المدق»، ومن «اللص والكلاب» إلى «ميرامار»، تتعدد الأمكنة والشخصيات والحكايات، لكن الإنسان يظل هو البطل الحقيقي. إنسان يبحث عن الأمان، ويطارد الحب، ويخشى الفقد، ويقاوم القهر، ويحاول أن يمنح لحياته معنى.
ولذلك لم تكن العالمية التي وصل إليها محفوظ مجرد انتصار لكاتب مصري أو عربي، وإنما كانت اعترافًا بأن التجربة المحلية يمكن أن تحمل معنى إنسانيًا واسعًا. فعندما حصل على جائزة نوبل في الأدب، وصل صوت الحارة المصرية إلى العالم، لا لأنه تخلى عن خصوصيتها، وإنما لأنه كتبها بصدق جعل خصوصيتها مفهومة للآخر.
لكن قيمة نجيب محفوظ لا تتوقف عند الجوائز أو عدد الروايات التي تركها. الأهم أنه أسهم في ترسيخ مكانة الرواية العربية، وأثبت أن الأدب يستطيع أن يكون شاهدًا على المجتمع، وأن يناقش قضاياه دون أن يفقد جماله، وأن يحول الحياة اليومية إلى مادة للتأمل والسؤال.
وبعد عشرين عامًا من رحيله، ربما لم يعد السؤال: هل ما زال نجيب محفوظ حاضرًا؟ فالحضور لا يحتاج إلى دليل عندما تظل كتبه تُقرأ، وشخصياته تُناقش، وأفكاره تفتح أبوابًا جديدة للتأويل.
السؤال الحقيقي هو: لماذا ما زلنا نعود إليه؟
لأن محفوظ لم يكتب عن أشخاص انتهوا بانتهاء عصورهم، بل كتب عن الإنسان. والإنسان، مهما تبدلت الأزمنة، يظل يحمل الأسئلة نفسها: يبحث عن الحب، ويخشى الوحدة، ويحلم بالعدل، ويصطدم بالواقع، ويحاول أن يفهم نفسه والعالم من حوله.
رحل نجيب محفوظ، لكن صوته لم يرحل.
ما زالت الحارة تتكلم، وما زالت القاهرة تظهر بين السطور، وما زال الرجل الذي جلس طويلًا يتأمل الناس قادرًا، بعد عشرين عامًا، أن يجعلنا نتأمل أنفسنا.

