الأربعاء 2 سبتمبر 2026 07:23 مـ 19 ربيع أول 1448 هـ
بوابة النور الاخبارية
رئيس التحرير محمد حلمي المشرف العام عبدالرحمن معوض
×

رئيس الوقف السني العراقي: الذكاء الاصطناعي لم يعد قضية تخص المعنيين بالتقنية وحدهم وسيكون أكثر تأثيرًا في الأسرة وتربية الأبناء

الأربعاء 2 سبتمبر 2026 03:09 مـ 19 ربيع أول 1448 هـ
رئيس الوقف السني العراقي: الذكاء الاصطناعي لم يعد قضية تخص المعنيين بالتقنية وحدهم وسيكون أكثر تأثيرًا في الأسرة وتربية الأبناء

أكَّد معالي الأستاذ الدكتور عامر شاكر الجنابي، رئيس ديوان الوقف السني في جمهورية العراق، أن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم تفرض على المؤسسات الدينية والإفتائية الانتقال من الاكتفاء بالإجابة عن الأسئلة بعد وقوع المشكلات إلى رصد التحولات الأسرية مبكرًا واستباق أزماتها، داعيًا إلى تطوير برامج عملية لتأهيل المقبلين على الزواج، وإنشاء مراكز للإرشاد الأسري، وتعزيز التعاون بين مؤسسات الإفتاء والجامعات ومراكز البحوث والمتخصصين.

جاء ذلك خلال كلمته في جلسة الوفود الرسمية ضمن فعاليات المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، الذي يُعقد في القاهرة على مدار يومين، خلال الفترة من 2 إلى 3 سبتمبر 2026، بحضور نخبة كبيرة من الوزراء والمفتين والعلماء والمتخصصين من مختلف دول العالم، 

وفي مستهل كلمته، أعرب رئيس ديوان الوقف السني العراقي عن سعادته بالمشاركة ممثلًا للعراق وديوان الوقف السني، موجهًا التحية والتقدير إلى جمهورية مصر العربية وشعبها، ومثمنًا رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي للمؤتمر، كما أشاد بدور الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم في خدمة القضايا الدينية والفكرية المعاصرة.

وأشار الجنابي إلى عمق الصلات العلمية والدينية التي تجمع العراق ومصر، مستحضرًا أسماء عدد من أعلام العراق الذين ارتبطت مسيرتهم العلمية بمصر عبر التاريخ، في دلالة على رسوخ العلاقات العلمية والفكرية بين البلدين، مؤكدًا أن مصر ظلت عبر عصورها حاضنة للعلم والعلماء ومنارة للفكر الإسلامي، مبينًا أن اختيار الأسرة موضوعًا للمؤتمر لم يأت من قبيل المصادفة، موضحًا أن الأسرة ظلت على امتداد القرون الحاضنة الأولى للإنسان ومصدر سكينته وتوازنه واستقراره، لكنها تواجه في الزمن الراهن تحولات سريعة وعميقة، بعضها لم يكن من الممكن تصوره حتى سنوات قليلة مضت.

وأضاف أن كثيرًا من التغيرات التي طرأت على وسائل التواصل والاتصال ومصادر المعرفة غيَّرت طريقة تفكير الأبناء، بل غيرت في بعض الأحيان نظرتهم إلى الزواج والأسرة وبناء العلاقات الإنسانية، لافتًا الانتباه إلى أن الطفل أو الشاب أصبح يحمل بين يديه عالمًا مفتوحًا لا تستطيع الأسرة دائمًا مراقبته كاملًا أو التحكم في تفاصيله وأسراره، مشددا  على أن هذا الواقع يضع مسؤولية جديدة على المؤسسات الدينية، مؤكدًا أنها لم تعد قادرة على الاكتفاء بتلقِّي الأسئلة وانتظار تقديم الإجابات، لأن بعض المشكلات إذا تُركت حتى تصل إلى المفتي تكون قد اتسعت وتحولت إلى أزمة يصعب تدارك آثارها.

وأوضح أن السؤال الأسري الذي يصل إلى المفتي قد يبدو في ظاهره سؤالًا فقهيًّا، لكنه قد يخفي وراءه مشكلة نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو قانونية، الأمر الذي يجعل من غير المنطقي النظر إلى المشكلة بعين واحدة، مؤكدا على أن الحاجة إلى الفقهاء تظل أساسية، لكنها يجب أن تتكامل مع علماء الاجتماع وأطباء النفس وأساتذة القانون وغيرهم من أصحاب الاختصاص، بما يسمح بفهم النازلة الأسرية في أبعادها المختلفة، ويمنع اختزال المشكلات المركَّبة في إجابات أحادية.

في إطار متصل تساءل  الجنابي عن جدوى انتظار وقوع الخلاف أو الطلاق أو التفكك الأسري قبل التدخل، داعيًا إلى توفير برامج حقيقية لتثقيف الشباب المقبلين على الزواج، ومراكز للإرشاد الأسري، وآليات تعاون مستدامة بين مؤسسات الإفتاء والجامعات ومراكز البحوث، كما أوضح أن الانتقال من علاج المشكلات إلى الوقاية منها يمثل إحدى الأولويات التي ينبغي أن تحتل مساحة أكبر في العمل الإفتائي الحديث، مشددًا على أن مسؤولية المؤسسة الدينية تبدأ قبل ظهور الأزمة وليس بعد استفحالها.

وتوقف رئيس ديوان الوقف السني عند ما وصفه بأحد أكبر التحديات التي تدخل البيوت بصورة متسارعة ودون استئذان، وهو العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مسألة تخص خبراء التقنية وحدهم، بل أصبح حاضرًا في التعليم والعمل والطب والإعلام والعلاقات العامة، وسوف يكون تأثيره أشد في حياة الأسرة وتربية أبنائها، مشددا على أن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المؤسسات الدينية ليس فقط: "ما حكم استخدام هذه التقنية؟"، وإنما السؤال الأوسع والأكثر أهمية: "ماذا ستفعل هذه التقنيات بالإنسان والأسرة بعد خمس أو عشر سنوات؟".

كما تساءل عن الكيفية التي ستربى بها الأجيال إذا أصبحت الآلة مصدرًا أساسيًّا للمعرفة، وكيف يمكن الحفاظ على الحوار داخل البيت عندما يصبح لكل فرد عالمه الرقمي الخاص، وكيف تصان خصوصية الأسرة وعلاقاتها الإنسانية في زمن تتدخل فيه الخوارزميات بصورة متزايدة فيما يقرؤه الإنسان ويشاهده ويختاره، مؤكدًا أن هذه الأسئلة لم تعد ترفًا فكريًّا، وإنما ينبغي البدء في التفكير فيها منذ الآن قبل أن تتحول إلى مشكلات كبرى يصعب التعامل معها بعد وقوعها،

وشدد على أن التقنية مهما بلغت من التطور لا يمكن أن تحل محل الإنسان في الفتوى، مؤكدًا أن الفتوى ليست جوابًا آليًّا عن سؤال، وإنما عملية مركبة تقوم على فهم النص، وفهم الواقع، وفهم السائل وأحواله وملابساته، وهي أبعاد لا يجوز اختزالها في الاستجابة الآلية، موضحا إن المؤسسات الدينية مطالبة بالتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوعي مزدوج، تستفيد من إمكاناته من ناحية، وتحافظ في الوقت ذاته على مركزية الإنسان ومسؤوليته الأخلاقية والشرعية من ناحية أخرى.

وفى كلمته عبر الجنابي عن تطلعه إلى ألا ينتهي المؤتمر بمجرد الكلمات البليغة أو التوصيات المكتوبة، وإنما أن يكون بداية لعمل يتجاوز الخطابات إلى بناء تعاون فعلي ودائم من خلال الحوار بين مؤسسات الإفتاء والجامعات ومراكز البحوث، ورصد ما يطرأ على الأسرة من تحولات ودراسة آثار التقنيات الجديدة، معلنا استعداد ديوان الوقف السني في العراق لفتح أبواب التعاون والانطلاق في هذا المسار، كما أوضح أن المشكلات الأسرية المعاصرة لم تعد تعترف بالحدود الجغرافية، وأن ما يحدث في بغداد قد توجد له صور مشابهة في عواصم أخرى في العالم العربي والإسلامي، مشددا فى الوقت ذاته على أن التشابه المتزايد في التحديات التي تواجه الأسر يجعل التعاون وتبادل الخبرات بين المؤسسات الدينية والعلمية ضرورة، وليس مجرد خيار، خصوصًا في ظل عالم أصبحت فيه المؤثرات الرقمية والثقافية عابرة للحدود.

وفي ختام كلمته، أكد رئيس ديوان الوقف السني أن مواجهة التحولات الكبرى لا تكون بالاستسلام لليأس أو الخوف من التغيير، ولا بإدارة الظهر للمتغيرات، وإنما بالفهم قبل الحكم، والتفكير الواعي قبل اتخاذ المواقف، موضحا أن الغاية هي أن تظل الأسرة، في الثقافة والدين، موضع سكن ومودة ورحمة رغم ما يحيط بها من تحولات، معتبرًا أن الوصول إلى هذه الغاية يمثل إحدى أبرز مسؤوليات المؤسسات الدينية في المرحلة الراهنة، كما جدد امتنانه لمصر ودار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، معربًا عن تقديره للمشاركين في المؤتمر، مؤكدًا أهمية البناء على نتائجه من أجل خدمة الأسرة والمجتمع ومواجهة تحديات المستقبل.