زيارة ولي العهد ولقاؤه الرئيس السيسي.. تأكيد على عمق الشراكة المصرية السعودية
كتبت:إيمان خالد خفاجي
تؤكد زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء، إلى القاهرة ولقاؤه الرئيس عبد الفتاح السيسي، عمق العلاقات التاريخية والاستراتيجية التي تجمع مصر والمملكة العربية السعودية، وحرص قيادتي البلدين على مواصلة تطوير العلاقات الثنائية، وتوسيع مجالات التعاون والتنسيق بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين.
وتأتي الزيارة في توقيت بالغ الدقة، تشهد خلاله المنطقة والعالم تحديات متسارعة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، بما يعكس أهمية التنسيق المصري السعودي في التعامل مع الملفات الإقليمية والدولية، ويؤكد أن القاهرة والرياض تمثلان ثقلًا عربيًا مؤثرًا يعزز موقف الدول العربية في ميزان القوى الدولية.
ولا تقتصر العلاقات المصرية السعودية على المصالح السياسية والاقتصادية، بل تستند إلى روابط تاريخية ودينية وثقافية راسخة، امتدت لأكثر من قرن من العلاقات الرسمية، نجحت خلالها قيادات البلدين في تأسيس شراكة استراتيجية نموذجية باتت إحدى أهم ركائز العمل العربي المشترك.
تاريخ طويل من العلاقات الأخوية والشراكة الاستراتيجية
ترجع جذور العلاقات المصرية السعودية إلى عقود طويلة، إذ حرص الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، منذ مراحل بناء الدولة السعودية الحديثة، على إقامة علاقات قوية مع مصر، التي أسهمت بدور بارز في مسيرة النهضة السعودية، خاصة في المجالات العمرانية والتعليمية والثقافية.
وشهدت العلاقات بين البلدين محطات تاريخية مهمة، من بينها إعداد المسودة الأولى لمعاهدة الصداقة عام 1926، وتوقيع اتفاقية التعمير بالرياض عام 1939، فضلًا عن الزيارة التاريخية للملك عبد العزيز إلى مصر عام 1945، وما تبعها من مواقف سعودية داعمة للدولة المصرية خلال العدوان الثلاثي عام 1956 وحرب أكتوبر 1973.
ومنذ توقيع «معاهدة الصداقة»، شهدت العلاقات المصرية السعودية توسعًا مستمرًا في مختلف المجالات، لتتحول من تعاون ثنائي إلى شراكة استراتيجية شاملة، تشمل السياسة والاقتصاد والاستثمار والدفاع والثقافة والطاقة، إلى جانب التنسيق بشأن القضايا العربية والإقليمية والدولية.
تنسيق سياسي رفيع المستوى
تعززت العلاقات المصرية السعودية بصورة لافتة خلال عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، من خلال الزيارات المتبادلة والاتصالات المستمرة بين قيادتي البلدين، والتشاور الدائم حول أزمات المنطقة وتحدياتها.
ويستند هذا التنسيق إلى رؤية مشتركة تقوم على احترام سيادة الدول، ورفض التدخلات الخارجية في الشؤون العربية، والحفاظ على وحدة الأراضي الوطنية، ودعم الحلول السياسية والسلمية للأزمات، بما يرسخ الأمن والاستقرار الإقليمي.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في 15 أكتوبر 2024، والتي شهدت توقيع محضر تشكيل «مجلس التنسيق الأعلى السعودي المصري»، برئاسة ولي العهد عن الجانب السعودي والرئيس عبد الفتاح السيسي عن الجانب المصري، ليكون منصة مؤسسية شاملة لتعزيز العلاقات الثنائية ودفعها إلى آفاق أوسع.
كما مثلت زيارة الرئيس السيسي إلى مدينة نيوم في 21 أغسطس 2025 محطة مهمة في مسار العلاقات، حيث عقد مباحثات مع ولي العهد السعودي، أعقبها اجتماع ثنائي تناول مختلف الملفات ذات الاهتمام المشترك، في تأكيد جديد على متانة العلاقات بين البلدين.
ثقل البلدين يعزز الموقف العربي
وفي تصريحات صحفية، أكد خالد الربيش، مدير التحرير في صحيفة «الرياض»، أن العلاقات السعودية المصرية تمثل إحدى الركائز الأساسية لاستقرار المنطقة، مشيرًا إلى أن استمرار التشاور والتنسيق بين القاهرة والرياض يكتسب أهمية متزايدة في ظل التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية المتسارعة.
وأوضح أن مصر والسعودية تمتلكان ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا يجعلهما في موقع محوري عند التعامل مع القضايا العربية والإقليمية، ودعم الموقف العربي في المحافل الدولية وميزان القوى العالمي.
وأضاف أن التقارب بين البلدين لا يرتبط بظرف آني، وإنما يستند إلى تاريخ طويل من العلاقات والمصالح المشتركة، ورؤية متقاربة بشأن ضرورة الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها، والدفاع عن مصالح شعوبها.
وأشار إلى أن لقاء ولي العهد السعودي بالرئيس السيسي يجسد حرص القيادتين على مواصلة تطوير العلاقات الثنائية، وتوسيع مجالات التعاون والتنسيق، بما يخدم مصالح البلدين والشعبين الشقيقين، مؤكدًا أن القاهرة والرياض تشكلان معًا ثقلًا مهمًا في المنظومة العربية.
تناغم الرؤى يعكس حكمة القيادتين
من جانبه، وصف الدكتور محمد الأحمد، أستاذ الإعلام والصحافة بجامعة الملك سعود، العلاقات المصرية السعودية بأنها نموذجية، مؤكدًا أنها تقوم على الأخوة والشراكة الاستراتيجية والمساندة المتبادلة.
وأشار إلى أن العلاقات بين البلدين شهدت نموًا متواصلًا في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لافتًا إلى أن التنسيق السياسي بين القاهرة والرياض يتم على أعلى المستويات، مع استمرار التشاور بشأن القضايا الإقليمية والدولية.
وأكد أن تناغم الرؤى بين قيادتي البلدين يعكس حكمة سياسية واضحة، ويرسخ الأسس التي قامت عليها «معاهدة الصداقة»، كما يعزز قدرة الدولتين على التعامل مع الملفات المعقدة التي تواجه المنطقة.
أهمية خاصة للزيارة في ظل التحديات الإقليمية
ويرى الدكتور تركي القبلان، مدير مركز ديمومة للدراسات بالسعودية، أن الأهمية الحقيقية لزيارة ولي العهد إلى مصر لا تقتصر على بعدها البروتوكولي، وإنما ترتبط بتوقيتها وطبيعة الملفات التي تفرض نفسها على أجندة البلدين.
وأوضح أن الزيارة تأتي في ظل اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وتصاعد التهديدات في باب المندب، بما يجعل أمن الممرات البحرية جزءًا من منظومة استراتيجية مترابطة تشمل أمن الخليج والطاقة والتجارة العالمية.
وأشار إلى أن التنسيق المصري السعودي بشأن أمن الملاحة، إلى جانب الملفات المتعلقة باليمن والسودان والصومال وفلسطين وسوريا، يعكس وعيًا سياسيًا متقدمًا بطبيعة التحديات، وحرصًا على حماية بنية النظام الإقليمي العربي من التفكك والتدخلات الخارجية.
وأكد أن قوة الشراكة بين القاهرة والرياض تستند إلى تكامل عناصر القوة لدى الطرفين؛ فالمملكة تمتلك الثقل الاقتصادي والسياسي والمكانة الدينية، بينما تتمتع مصر بموقع جيوستراتيجي محوري وعمق سكاني وعسكري كبير، وهو ما يجعل التنسيق بينهما عنصرًا حاسمًا في إعادة ضبط التوازنات الإقليمية.
توافق في الملفات العربية والدولية
تتبنى مصر والسعودية مواقف متقاربة تجاه العديد من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها تعزيز التعاون الدفاعي والأمني، ومكافحة الإرهاب والتطرف وتمويلهما، ومكافحة المخدرات والجريمة المنظمة، وتأمين الحدود، وتعزيز الأمن السيبراني وتبادل المعلومات.
كما تدعم الدولتان الحلول السياسية للأزمات في سوريا واليمن ولبنان وليبيا والسودان، بما يحافظ على وحدة أراضي هذه الدول وسيادتها واستقلال قرارها الوطني، ويرفض التدخلات الخارجية التي تهدد استقرارها.
القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، تتفق القاهرة والرياض على ضرورة وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وإنهاء المعاناة الإنسانية، وحماية المدنيين، ورفع الحصار، ورفض الاعتداءات على المقدسات الإسلامية في القدس.
كما تؤكد الدولتان ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية، على أساس حل الدولتين، ومبادرة السلام العربية، وقرارات الشرعية الدولية، بما يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
دعم استقرار لبنان واليمن والسودان وليبيا
وفي الشأن اللبناني، تشدد مصر والسعودية على أهمية الحفاظ على أمن لبنان واستقراره ووحدته وسيادته وسلامة أراضيه.
أما في اليمن، فتؤكد الدولتان دعمهما للجهود الأممية والإقليمية الرامية إلى التوصل لحل سياسي شامل، مع التشديد على أهمية أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة الدولية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لاستقرار الاقتصاد العالمي وحركة التجارة الدولية.
وفي السودان، تدعو القاهرة والرياض إلى وقف إطلاق النار، واستكمال الحوار بين الأطراف، وإنهاء معاناة الشعب السوداني، والحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها الوطنية.
كما تدعمان في ليبيا الحل السياسي الليبي – الليبي، وتوحيد مؤسسات الدولة، وخروج القوات الأجنبية والميليشيات والمرتزقة، بما يحقق تطلعات الشعب الليبي في الأمن والاستقرار.
وتؤكد مجمل هذه المواقف أن العلاقات المصرية السعودية تجاوزت حدود التعاون الثنائي إلى شراكة عربية استراتيجية، يمثل استمرارها وتطويرها ضرورة لحماية الأمن القومي العربي، وتعزيز الاستقرار، ودعم فرص التنمية، ومواجهة التحديات المتصاعدة في المنطقة والعالم.

