التاريخ الإسلامي: بين التوظيف السياسي وفقدان الوعي الحضاري
يمثل التاريخ الإسلامي أحد أعمدة الهوية الثقافية والحضارية للأمة، إلا أنه تعرض عبر العصور لتشويه ممنهج، هذا التشويه لا يقتصر على طمس الحقائق، بل يمتد ليؤثر في وعي الأجيال، ويضعف انتماءها لماضيها، فالتاريخ ليس مجرد سجل للأحداث الماضية، بل هو مرآة تعكس كيف نرى أنفسنا وكيف نروي قصتنا للعالم، والتاريخ الإسلامي، بما يحمله من ثراء حضاري وإنساني، لم يسلم من محاولات التشويه والانتقائية، سواء عبر أدوات الاستعمار والاستشراق أو من خلال توظيفه السياسي الداخلي.
من يقرأ السرديات السائدة يجد تركيزًا مفرطًا على الفتن والصراعات، بينما تُهمَّش فترات الازدهار العلمي والاجتماعي التي شكّلت أساسًا للحضارة الإنسانية. هذا الانتقاء لم يكن بريئًا؛ فقد استخدمته أنظمة سياسية لتبرير شرعيتها أو لتشويه خصومها، كما استثمره الاستعمار في تكريس صورة الإسلام كدين تخلف وعنف.
النتيجة المباشرة لهذا التشويه هي فقدان الأجيال لوعيها الحضاري، وانقطاعها عن مصادر الفخر والانتماء، ليصبح الماضي عبئًا بدل أن يكون مصدر إلهام، ويُستخدم التاريخ المشوّه لتغذية الإسلاموفوبيا عالميًا، مما يضعف قدرة الأمة على الدفاع عن نفسها ثقافيًا.
والباحث في التاريخ يجد أن الأسباب التي تقف خلف تشويه التاريخ الإسلامي متعددة، أبرزها التوظيف الأيديولوجي من قبل بعض الأنظمة التي جعلت من التاريخ أداة لتبرير شرعيتها أو للنيل من خصومها، إلى جانب الجهل المجتمعي الناتج عن ضعف الثقافة التاريخية والاعتماد على مصادر غير موثوقة، فضلًا عن غياب التحقيق العلمي وقلة الدراسات الأكاديمية النقدية التي تفحص الروايات بصرامة.
هذه العوامل مجتمعة أدت إلى آثار ثقافية واجتماعية خطيرة، من بينها فقدان الهوية الحضارية وضعف الانتماء، وغياب الفخر بالماضي، إضافة إلى إضعاف الوعي النقدي الذي يحرم الفرد من قراءة الحاضر في ضوء الماضي، فضلًا عن تشويه صورة الإسلام عالميًا وتغذية الإسلاموفوبيا.
ولعل مواجهة هذا التشويه تبدأ بالعودة إلى المصادر الأصلية الموثوقة وتطبيق منهج التحقيق العلمي، مع إنتاج معرفي بديل يقدّم سردًا موضوعيًا للتاريخ الإسلامي، وتعزيز الوعي المجتمعي عبر التعليم والإعلام، وتقديم نماذج إيجابية من التاريخ، وأخيرًا الربط بين الماضي والحاضر لإبراز إسهامات الحضارة الإسلامية في بناء الإنسانية وربطها بقضايا العدالة والنهضة المعاصرة.
استعادة التاريخ الإسلامي ليست مهمة أكاديمية بحتة، بل مشروع ثقافي وإنساني. المطلوب هو العودة إلى المصادر الموثوقة، ودعم إنتاج معرفي بديل يقدّم سردًا موضوعيًا، مع تعزيز الوعي المجتمعي عبر التعليم والإعلام. الأهم هو الربط بين الماضي والحاضر: إبراز كيف ساهمت الحضارة الإسلامية في بناء الإنسانية، وكيف يمكن أن تلهمنا اليوم في قضايا العدالة والنهضة.
التاريخ ليس ما حدث فقط، بل كيف نختار أن نرويه. وإذا ظلّت الأمة أسيرة سرديات مشوّهة، فإنها ستفقد بوصلتها الحضارية. أما إذا أعادت بناء علاقتها بتاريخها بوعي نقدي، فإنها ستستعيد قدرتها على صياغة مستقبل أكثر عدلًا وكرامة.
إن استعادة التاريخ الإسلامي منبين ركام التشويه ليست مجرد مهمة أكاديمية، بل هي مشروع ثقافي وإنساني يعيد للأمة وعيها، ويمنحها أدوات لفهم ذاتها وموقعها في العالم. فالتاريخ ليس ما حدث فقط، بل كيف نرويه، ولماذا نختار أن نتذكره بهذه الطريقة.

