الثلاثاء 17 فبراير 2026 05:17 مـ 29 شعبان 1447 هـ
بوابة النور الاخبارية
رئيس التحرير محمد حلمي
×

الأدب : بين النشأة والاكتشاف

الإثنين 16 فبراير 2026 12:08 مـ 28 شعبان 1447 هـ
الأدب : بين النشأة والاكتشاف

لم يكن الأدب يومًا حادثةً عابرة في تاريخ الإنسان ولا وليد لحظة زمنية محددة يمكن أن نؤرخ لها بدقة إن البحث في نشأة الأدب ليس بحثًا في تاريخ نصوصٍ فحسب بل هو بحث في تاريخ الوعي الإنساني ذاته ذلك أن الأدب ارتبط منذ بداياته الأولى بمحاولة الإنسان فهم العالم وتأويل وجوده ومنح تجربته معنى يتجاوز حدود اللحظة العابرة.
قبل أن تُولد الكتابة كان الصوت هو الوسيط الأول للتعبير في المجتمعات البدائية حيث لم تُعرف الحروف بعد كانت الحكاية تُروى شفاهةً تنتقل من جيل إلى جيل حاملةً معها ذاكرة الجماعة وخبرتها لقد مثّلت الأسطورة والملحمة والحكاية الشعبية الأشكال الأولى لما يمكن أن نسميه أدبًا ولم يكن ذلك الأدب وسيلة للترفيه فحسب بل كان إطارًا تفسيريًا للوجود يجيب عن أسئلة الخلق والموت والقدر.
ومع ظهور الكتابة في حضارات الشرق القديم بدأ الأدب ينتقل من فضاء الذاكرة إلى فضاء التدوين ففي سياق الحضارة السومرية ظهرت نصوص تُعد من أقدم الشواهد الأدبية في تاريخ البشرية وفي مقدمتها ملحمة جلجامش التي لم تكتفِ بسرد بطولات ملكٍ أسطوري بل طرحت سؤال الخلود بوصفه هاجسًا إنسانيًا خالدًا لقد كان النص الملحمي في جوهره تأملًا فلسفيًا مبكرًا في حدود القوة البشرية ومعنى الفناء.
وفي مصر القديمة حملت النصوص الدينية والحِكمية بُعدًا أخلاقيًا واضحًا كما في كتاب الموتى الذي صوّر رحلة الإنسان في العالم الآخر بوصفها امتدادًا لمسؤوليته الأخلاقية في الدنيا وهنا يتبدى الأدب بوصفه أداة لتقويم السلوك وصياغة القيم لا مجرد حكاية تُروى.
أما في الحضارة اليونانية فقد ازدهرت الملحمة والمسرح ازدهارًا لافتًا وتجلّى ذلك في أعمال هوميروس مثل الإلياذة والأوديسة حيث اتخذ الأدب شكلًا فنيًا أكثر نضجًا يجمع بين البناء الجمالي العميق والتأمل في قضايا المصير والحرية والبطولة.
وفي التراث العربي سبق الأدب التدوين كذلك إذ نشأ الشعر في بيئة شفاهية وكان الشاعر لسان القبيلة وسجلها التاريخي ومع تطور الحياة الثقافية في العصور الإسلامية تنوعت الفنون الأدبية بين شعر ونثر وظهرت فنون المقامة والرسائل والسير ثم تطورت في العصر الحديث إلى الرواية والمسرح والقصة القصيرة في استجابة لتحولات المجتمع والوعي.
غير أن استعراض هذا الامتداد التاريخي لا يكفي للإجابة الحاسمة عن السؤال : هل الأدب نشأ في لحظة محددة أم اكتُشف تدريجيًا ؟
إن النشأة تحيل إلى بدايات زمنية أما الاكتشاف فيحيل إلى وعيٍ متجدد وربما كان الأدب يجمع بين الأمرين معًا فهو نشأ مع الحاجة الأولى إلى الحكي لكنه يُكتشف في كل عصر حين يدرك الإنسان أن اللغة ليست أداة تواصل فحسب بل أداة خلقٍ وإبداع
لقد كان اكتشاف اللغة هو الخطوة الأولى نحو اكتشاف الأدب فاللغة حين تجاوزت وظيفتها العملية وأصبحت قادرة على التصوير والمجاز والتكثيف تحولت إلى فضاء جمالي ومن هنا بدأ الأدب بوصفه فعلًا يزاوج بين الفكر والخيال وبين الواقع وإعادة تشكيله
إن الأدب في جوهره ليس مجرد سجل للأحداث بل هو إعادة كتابة للتجربة الإنسانية في صورة أكثر كثافة وعمقًا إنه المساحة التي يلتقي فيها التاريخ بالخيال والواقع بالرؤية والفرد بالجماعة ولذلك فإن اكتشاف الأدب يتجدد مع كل تجربة إنسانية جديدة ومع كل محاولة لقول ما لم يُقل بعد
وهكذا يمكن القول إن الأدب يقف دائمًا بين النشأة والاكتشاف : نشأ مع أول حكاية ويُكتشف مع كل وعي جديد إنه ليس أثرًا من الماضي فحسب بل كائن حي يتجدد ما دام الإنسان يسعى إلى فهم ذاته والعالم من حوله
وإذا كان الأدب قد نشأ مع الحكاية الأولى فإنه لم يتوقف عن التحول منذ تلك اللحظة فهو يتبدل بتبدل الأزمنة ويتشكل وفق تحولات الوعي الإنساني لكنه يظل محتفظًا بجوهره الأصيل : التعبير عن التجربة البشرية في أصدق صورها وأعمقها وكلما ظن الإنسان أنه أحاط بالعالم فهمًا عاد الأدب ليكشف له أن ثمة أبعادًا أخرى لم تُكتشف بعد
إن الأدب ليس أرشيفًا للوقائع بل هو مختبر للمعنى فيه تُختبر الأسئلة الكبرى : من نحن؟ ولماذا نعيش؟ وإلى أين نمضي؟ وهو بهذا المعنى ليس ترفًا ثقافيًا بل ضرورة وجودية فحين يعجز الواقع عن تفسير نفسه يتقدم الأدب ليمنحه لغةً ورؤية، ومن ثم فإن القول بأن الأدب يقف بين النشأة والاكتشاف ليس مجرد توصيف تاريخي بل هو تحديد لطبيعته المتجددة لقد نشأ حين احتاج الإنسان إلى الحكي ويُكتشف كلما احتاج إلى التأمل إنه فعل وعي دائم يتكرر مع كل جيل ومع كل تجربة إنسانية تسعى إلى أن تُروى
وهكذا ما دام الإنسان يسأل ويخاف ويحلم ويأمل سيظل الأدب حاضرًا لا بوصفه أثرًا من الماضي بل بوصفه وعدًا مستمرًا بإعادة اكتشاف الذات والعالم معًا