كواليس الاتفاق الأميركي الإيراني: الساحة اللبنانية تفجر الخلاف بين واشنطن وتل أبيب
تحولت العواصم الكبرى إلى خلايا نحل دبلوماسية مكثفة عقب توقيع "مذكرة التفاهم" التاريخية بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب الإقليمية التي اندلعت في 28 فبراير الماضي. وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، تترقب الأوساط السياسية الدولية بقلق شديد صدور أحدث أخبار الولايات المتحدة لمعرفة الموقف النهائي للبيت الأبيض من التطورات الميدانية المتصاعدة في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد أن طرأت تعقيدات غير متوقعة فرضتها الساحة اللبنانية كشرط أساسي وجوهري لا يمكن تجاوزه للمضي قدماً في تنفيذ البنود الـ14 الواردة في الاتفاق الشامل.
الساحة اللبنانية: العقدة الأساسية في معاهدة إنهاء الحرب
تضمنت وثيقة التفاهم المشتركة بين واشنطن وطهران إشارات صريحة ومباشرة إلى الشأن اللبناني في ثلاثة مواضع مختلفة، مؤكدة أن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل الساحة اللبنانية لضمان سيادة البلاد ووحدة أراضيها. ومع ذلك، سارعت تل أبيب إلى إبداء معارضتها الشديدة لهذه الصياغة؛ حيث التزم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الصمت علناً، في حين نقل مستشاروه المقربون لوسائل إعلام عالمية أن إسرائيل لا تعتبر نفسها ملزمة بأي شق يتعلق بلبنان، وأنه لا انسحاب عسكري من الجنوب دون نزع سلاح حزب الله بشكل كامل.
على المقلب الآخر، تتبنى طهران موقفاً حاسماً يربط تنفيذ تعهداتها بالالتزام الأميركي الكامل، مستندة إلى مبدأ "الإجراء مقابل الإجراء"، وهو ما أكده رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، مشيراً إلى أن البند الـ13 من المذكرة يرهن الانتقال إلى مفاوضات الوضع النهائي بتطبيق خمس فقرات جوهرية فوراً.
التزامات الأطراف والجداول الزمنية في وثيقة التفاهم
تنص الاتفاقية على حزمة من الإجراءات المتبادلة بين الأطراف لضمان الانتقال السلس نحو السلام، وتتوزع هذه الالتزامات بناءً على جداول زمنية دقيقة لضمان جدية التنفيذ:
|
الطرف المعني |
الالتزام التنفيذي المحدد |
المهلة الزمنية المقررة |
|
الولايات المتحدة |
رفع الحصار البحري الكامل وكافة العوائق عن إيران |
خلال 30 يوماً من التوقيع |
|
إيران |
ضمان المرور الآمن والمجاني للسفن التجارية في الخليج وبحر عُمان |
لمدة 60 يوماً فقط |
|
الولايات المتحدة |
سحب كامل القوات العسكرية الأميركية من محيط إيران |
30 يوماً من الاتفاق النهائي |
|
الطرفان معاً |
التفاوض المباشر للتوصل إلى نص الاتفاق النهائي الشامل |
مدة أقصاها 60 يوماً |
إلى جانب هذه الخطوات، تعهدت واشنطن بتقديم تسهيلات اقتصادية ضخمة تشمل خطة تنموية لإعادة إعمار إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، فضلاً عن إصدار وزارة الخزانة الأميركية إعفاءات فورية لتصدير النفط الخام والمنتجات المشتقة، وإتاحة الأصول والأموال الإيرانية المجمدة بشكل كامل ليتصرف بها البنك المركزي الإيراني.
كواليس الدبلوماسية: أزمة الثقة بين ترمب ونتنياهو
جاء هذا الإعلان المفاجئ لوقف إطلاق النار ليمثل صدمة حقيقية للمسؤولين الإسرائيليين، الذين كانوا يعتقدون أن الإدارة الأميركية تميل نحو توسيع الضربات العسكرية وليس إبرام الصفقات السياسية. وقد كشفت مفاوضات أميركا وإيران الأخيرة عن تباين عميق في الرؤى بين الحليفين؛ إذ انتقد الرئيس الأميركي بوضوح الهجمات العسكرية المكثفة على بيروت وجنوب لبنان، معتبراً أن هدم مبانٍ سكنية كاملة للبحث عن شخص واحد هو أمر غير مقبول، ودعا نتنياهو إلى انتهاج نهج "أقل حدة".
علاوة على ذلك، هاجم الرئيس الأميركي من وصفهم بـ "العباقرة المزعومين" الذين يطالبون بمواصلة قصف إيران، مذكرًا إياهم بالقرارات الاستراتيجية السابقة، وموضحاً أن إسرائيل أبلغت واشنطن بعدم رغبتها في المشاركة ليلة تنفيذ عملية اغتيال الجنرال قاسم سليماني في بغداد عام 2020.
الغضب اليميني الداخلي وانعكاسات الانتخابات
وضعت هذه الدبلوماسية المفاجئة بنيامين نتنياهو في موقف سياسي معقد للغاية على الساحة الداخلية، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة بعد أربعة أشهر فقط. فبعد أن وعد الإسرائيليين بتحقيق "نصر كامل" ضد طهران، وجد نفسه مضطراً للتعامل مع مذكرة تفاهم فرضتها واشنطن بشكل مباشر.
وقد انعكس هذا الإحباط السياسي عبر وسائل الإعلام العبرية المقربة من اليمين، وتحديداً "القناة 14" الإسرائيلية، التي شنت هجوماً غير مسبوق على فريق الرئيس الأميركي، واصفة نائب الرئيس جي دي فانس بأوصاف حادة، ومتهمة المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بالتفريط في مصالح أمن إسرائيل الاستراتيجية من أجل تحقيق مكاسب مالية واقتصادية خاصة.
فرصة الستين يوماً وحسابات الجبهة الداخلية
في واشنطن، يراهن صُنّاع القرار على أن تستغل تل أبيب مهلة الستين يوماً المتاحة لإحراز تقدم ملموس في المفاوضات السياسية المباشرة مع بيروت، بحيث يكون أي انسحاب عسكري إسرائيلي مستقبلي من جنوب لبنان ناتجاً عن تسوية ثنائية خاصة، وليس أثراً مباشراً للاتفاق المبرم مع طهران.
وتتزامن هذه التحركات الخارجية مع تراجع ملحوظ في شعبية الرئيس الأميركي داخل الولايات المتحدة لتصل إلى 39% بناءً على أحدث استطلاعات الرأي، وذلك نتيجة للضغوط الاقتصادية المستمرة وارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات حرب إيران؛ مما يجعل البيت الأبيض متمسكاً بالمسار الدبلوماسي لتحقيق إنجاز خارجي سريع يرمم به جبهته الانتخابية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل.
في النهاية
تثبت مجريات الأحداث أن التوازنات الدولية تظل محكومة بالمصالح الحيوية للدول الكبرى وحساباتها الاقتصادية والداخلية، بعيداً عن لغة التصعيد العسكري المستمر. فهل ستنجح مهلة الستين يوماً في صياغة تسوية سياسية تحمي وحدة الأراضي اللبنانية، أم أن تمسك تل أبيب بشروطها الميدانية سيعيد المنطقة إلى مربع المواجهة الشاملة؟
