الخميس 9 يوليو 2026 04:55 مـ 23 محرّم 1448 هـ
بوابة النور الاخبارية
رئيس التحرير محمد حلمي
×

سعادة البسطاء وتدجين الإبداع

الخميس 9 يوليو 2026 11:54 صـ 23 محرّم 1448 هـ
سعادة البسطاء وتدجين الإبداع

تثبت الأحداث الكبرى— رياضية كانت أو فنية— أن قطاعات الترفيه لم تعد مجرد مساحات للإبداع النقي أو التنافس الشريف، بل تحولت إلى صناعات ضخمة تحكمها لغة المال والمصالح.

ويعد ما شهدته مباراة مصر والأرجنتين بالأمس في نهائيات كأس العالم 2026، والجدل التحكيمي الواسع الدائر حول قرارات تقنية الفيديو (VAR) التي يرى الكثيرون أنها انحازت لضمان بقاء النجوم الكبار مثل "ليونيل ميسي" في البطولة، يفتح الباب على مصراعيه لرؤية المشهد من زاوية أوسع وهي:

كيف يتسلل منطق "البيزنس وحماية المصالح" ليمتد إلى قطاعات الفنون والرياضة؟

فنكتشف تحول الفن والرياضة وما يمثلانه من متنفس يجد فيه الناس بعض المتعة والسعادة حتى ولو كانت لحظية من "الإبداع" إلى "الاستثمار الموجه"

فلم يعد الفن مجرد رسالة إنسانية، بل أصبح صناعة ترفيهية تُدار بعقلية الشركات عابرة القارات، ولم تعد كرة لعب وفن وهندسة بل أصبحت سوقا يتم فيه تسويق وبيع البشر (اللاعبين), هذا التحول الهيكلي سمح لمختلف اشكال الفساد وتشابك المصالح بالتوغل في عمق المشهد الثقافي والفني والرياضي من خلال عدة آليات:

1.احتكار حفنة صغيرة من شبكات الإنتاج والمنصات الرقمية العالمية لما يتم تصديره من فنون لتشكل الذوق العام، ويفرض هذا الاحتكار معايير محددة للأعمال التي يتم دعمها وتصعيدها، ليس بناءً على قيمتها الفنية، بل بناءً على العائدات المالية المضمونة.

لتجد هذه الكيانات تفضل تكرار الصيغ التجارية المستهلكة (مثل سلاسل الأفلام اللانهائية) على حساب دعم الأفكار الأصيلة، وتروج لافكار مخططة لفرض توجهات فكرية أو ثقافية معينة كشرط أساسي لتمويل الأعمال الفنية.

2. الفساد في جوائز المهرجانات، ونظم التقييم

تماماً كما تُثار الشكوك حول انحياز لجان التحكيم الرياضية للمنتخبات الأكثر تسويقاً، حيث يعاني قطاع الفنون من أزمات شبيهة في كواليس المهرجانات والجوائز العالمية والمحلية من تربيطات بين الكواليس تُخضع جوائز سينمائية وموسيقية رفيعة لضغط شركات العلاقات العامة وحملات التمويل الضخمة التي تشتري الأصوات والآراء.

3. تأليه النجوم (Super Star System) بمعنى حماية النجوم الكبار والتغطية على تجاوزاتهم القانونية أو الأخلاقية لأنهم يمثلون "السلعة" التي تضاعف ارباح شركات الإنتاج، مما يرسخ غياب العدالة.

4. غسيل الأموال واختراق رأس المال المشبوه

لقطاعات الترفيه، وخاصة سوق الفنون التشكيلية وإنتاج الحفلات الضخمة، تحت غطاء ثقافي شرعي.

ويتشابه ما يحدث في مجالات الفنون مع "كرة القدم الحديثة"،

فنجد الرابط بين سيناريو مباراة الأمس والواقع الفني يكمن في فكرة "السيناريو المعد مسبقاً"، ففي الرياضة، يخشى المستثمرون خروج القوى التسويقية الكبرى مبكراً لأن ذلك يعني خسارة مليارات الدولارات من الإعلانات وحقوق البث.

وبالمثل في عالم الفنون تمثل القيمة الفنية الحقيقية تهديداً للأرباح المضمونة. لذا، تتدخل الآلات البيروقراطية والتسويقية لإعادة توجيه الدفة نحو النتيجة التي تخدم رأس المال.

والخلاصة

إن صرخة الغضب التي يطلقها الجمهور عند شعوره بالظلم في ملاعب كرة القدم هي ذاتها الخيبة التي يشعر بها المتلقي عندما يرى أعمالاً هابطة تتصدر المشهد الفني، أو جوائز تذهب لمن لا يستحقها، حين تتحول قطاعات الفنون في العصر الحديث إلى مرآة للرأسمالية الشرسة؛ حيث تصبح القواعد مرنة لحماية "الأقوى تسويقياً"، فيختفي الابداع وتتحول المتعة النظيفة إلى رهينة في أيدي شبكات المصالح والفساد المؤسسي.