رؤية لرواية ”تلك المرآة هي أنا”

يلعب العنوان الذي اقتبسه الكاتب من حوار داخلي على لسان البطلة حيث تقول "تلك المرآة هي أنا"
ليلعب العنوان دورا بارزا في فهم الرواية حيث يشير اسم الإشارة ‘تلك‘ إلى شعور نفسي للبطلة التي وكأنها تتمنى لو كانت المرآة بعيدة، فهي تقول تلك رغم أنها تتحدث مباشرة مع المرآة ، ولكن أمنيتها الداخلية هو لو ابتعدت عنها المرآة، التي تمثل الضمير الداخلي الذي يخاطب البطلة التي هي آمال، وأحيانا يدخل في هذا الحوار النفسي اللاشعور، لنجد أن البطلة في الواقع تقع فريسة الرغبة الجسدية التي تسيطر عليها و شعوريا ولا شعوريا، فهي ترى الطير على بعد فتتحدث عنه بصيغة المذكر الذي يفتقد معشوقته على حد قولها الذي بدأته من أول سطور الرواية حيث تقول‘استيقظت فجأة على نسمة هواء باردة تداعب جسدي" وتتكر كلمة جسدي في أكثر من موضع وهو تكرار لا شعوري، تعضده بوصفها لقميصها الوردي الشفاف الذي يوحي بالرغبة الجسدية، وتؤيد ذلك بتأملها أن العصفور يتأملها، لتنفجر لا شعوريا بقولها ‘وحيدة بين هذه الجدران التي تبدو لي مثل قفص حديدي مغلق من حولي، بل سجن أنا فيه السجين والسجان‘ وهكذا نرى أن جسدها يتعذب في سجن يمثله تلك الثقافة الإسلامية التي نشأت عليها، كما تذكر ذلك، وجدران الشقة التي تصفها ‘وانطلقت إلى معقلي‘ ولكن هذا الجسد يثور أمام أول مؤثر خارجي، ألا وهو نظرات الجار كمال إلي أجزاء الجسد العارية، لنرى في المقابل أن هناك شخصية الدكتور منصور الذي عبر أكثر من مرة للزواج بها وهي ترفض، ترفض لأن الدكتور منصور يمثل الفكر والعقل، وهي لا تحتاج لا لفكر ولا لثقافة، ولكن تحتاج إلى من يحر هذه الرغبة ويشبعها، لذلك تتحرك أمام نظرات كمال، زوج المريضة، حيث تعبر عن ذلك بقولها ‘أرى عينيه تصولان وتجولان في جسدي الذي لم أكن أدري أنه شبه عار‘ وتقول في موضع آخر ‘المهم أنه رأى مفاتنك‘ واللاشعور يجعل البطلة في اكثر من موضع تذكر الأحضان والاحتضان، سواء مع البنات الصغيرات أو مع نفسها، حيث تعبر‘مشاعري تحدثني بأنني التي أحتاج إلى أحضان الطفولة البريئة‘.
وهكذا تتجسد أمامنا أنثى تتوق إلى إشباع الرغبة المشروعة ولكن مع رجل يقدر قيمة الجسد الذي يشكل هذه الرغبة، لنرى على الجانب الآخر زوجة متدينة لكي يمهد لنا الكاتب قناعة الزوجة بتعدد الزواج، فتهيأ لآمال الحكايات لتطلب منها قبول كمال زوجا، وآمال لا شعوريا تريد كمال والأدلة أنها لم ترفض عرضه للزواج منها كما رفضته صراحة من الدكتور منصور، ورفع التكليف بينها وبين كمال في مكالمة تليفونية حيث تقول له ‘كمال‘ فيرد ‘آمال‘ دون ألقاب ، وآمال نفسها عندما تحكي لليلى , الزوجة، تستحضر المرأة السعودية التي زوجت زوجها بامرأة أخرى، وكأنها تلمح لليلى بهذا، حتى بالفعل يتم هذا الزواج ليقول لنا المؤلف أن الزواج الثاني يجوز ويضع مقابله الشرط ألا وهو الضرورة الحتمية.
ويضع المؤلف شخصية تلعب دورا خطيرا ولكن بسيطا ألا وهي صابرين تلك الفتاة التي تمثل منافسا لآمال من حيث أنها تنطلق وتعبر عن ذاتها بكل حرية بينما آمال سجينة تربيتها لذلك لم يحدث بينها تقارب نفسي! وأياض وضع شخصية منصور ليكون الضد الذي يوضح الصورة ولكي يكون ثمرة السلوك الديني القويم، وربما قصد أو لم يقصد الكاتب دور الأسماء ‘آمال‘ لتحقق أحلامها و‘كمال‘ مع ملاحطة تشابة الاسمين، وكمال ليكمل حلم آمال ويحققه، وكذلك بقية الأسماء، ولكن نظرا لضيق المساحة نكتفي بهذا وإن كان ما كتبناها لا يمثل إلا نذرا قليلا جدا مما يقال عن الرواية التي افتتحها بعصفور يذهب باحثا عن معشوقته واختتمها بعودة العصفور بمعشوقته، وبين الذهاب والعودة تكون رحلة رواية ‘تلك المرآة هي أنا‘ للكاتب /حسن العربي.