الجمعة 29 أغسطس 2025 06:29 مـ 5 ربيع أول 1447 هـ
جريدة النور
رئيس التحرير محمد حلمي
×

المرأة والفن بقلم عفاف يوسف

الجمعة 29 أغسطس 2025 02:04 مـ 5 ربيع أول 1447 هـ

منذ أقدم العصور، ارتبطت صورة المرأة بالفن. في الكهوف الأولى ظهرت على هيئة تماثيل صغيرة ترمز للخصوبة واستمرار الحياة، مثل تماثيل فينوس الشهيرة. وفي مصر القديمة حملت الجداريات صورة المرأة كرفيقة في الحقول، أو كرمز للجمال والموسيقى والاحتفال. هذه الصور المبكرة تكشف أن حضورها لم يكن عابرًا، بل جزءًا من رؤية الإنسان للحياة نفسها.

لكن مع مرور العصور، تغيّرت صورة المرأة داخل اللوحات. ففي النهضة الأوروبية صارت مصدر إلهام للفنانين كرمز للرقة والجمال، بينما ظل دورها كفنانة شبه غائب بسبب القيود الاجتماعية. ومع ذلك ظهرت أسماء قوية كسرت هذا الحاجز مثل أرتميسيا جنتلسكي في القرن السابع عشر ، فكانت أول امرأة تنضم إلى أكاديمية فن الرسم في فلورانسا ،والتي واجهت مجتمعًا لا يعترف بسهولة بموهبة النساء.

في القرون التالية، بدأ صوت الفنانات يظهر أوضح. عالميًا نجد فريدا كاهلو من المكسيك لم تُقدّم لوحات جميلة فحسب، بل رسمت تجربتها الإنسانية بصدق وجرأة جعلتها أيقونة عالمية. وفي فرنسا برزت برت موريسو بين الانطباعيين، بينما أسست جورجيا أوكيف في الولايات المتحدة أسلوبًا خاصًا جعلها من رموز الفن الحديث.

أما عن مصر فحديثًا نجدها قدمت رائدات للحركة التشكيلية، كالفنانة عفت ناجي التي أهدتنا عالمًا بصريًا يجمع بين الموروث الشعبي والحداثة، حيث استوحت عناصرها من الأساطير والرموز الشعبية، لتصوغ منها أعمالًا ذات بعد فلسفي وروحاني. بينما ركزت إنجي أفلاطون على التعبير عن الإنسان في لحظات النضال والمعاناة، وخصوصًا معاناتها هي نفسها داخل السجن، فجاءت لوحاتها شهادة بصرية على الحرية والعدالة الاجتماعية. أما جاذبية سري فتميّزت بريشتها الغنية بالألوان وملامح المرأة المصرية البسيطة، فحملت إلى اللوحة همومها اليومية وأحلامها، وقدمت صورة للمرأة ليست كرمز مثالي، بل كإنسانة من لحم ودم. وعلى مستوى النحت، تركت زينب السجيني بصمة فريدة، حيث جسّدت في أعمالها ملامح الأمومة والطفولة والحياة الشعبية المصرية بحس إنساني عميق، جعل النحت عندها أقرب إلى نبض الناس. ولا يمكن أن نغفل أسماء أخرى مثل تحية حليم التي ارتبطت أعمالها بالنيل والريف المصري، ومارجريت نخلة التي عبرت بجرأة عن المرأة في تفاصيلها اليومية، لتؤكد أن التجربة التشكيلية النسائية في مصر لم تكن هامشية، بل ركن أساسي في صياغة مشهدنا الفني الحديث.

تغيّر المشهد تمامًا. المرأة لم تعد مجرد موضوع فني يُرسم، بل صارت هي التي تضع القواعد وتناقش القضايا الكبرى: الهوية، الجسد، الحرية، وحتى المستقبل. أعمال الكثير من الفنانات المعاصرات تؤكد أن الفن بالنسبة لهن ليس مجرد مساحة جمالية، بل وسيلة للتعبير والمقاومة وليس كما يشاع اثبات للذات . فما يميز تجربة المرأة في الفن الآن هو أنها ليست مطالبة بإثبات جدارتها، فقد أثبتتها بالفعل عبر قرون من النضال والإبداع. هي اليوم موجودة لتقول كلمتها، بفرشاة أو بعدسة أو بعمل تركيبي، وتشارك في تشكيل المشهد الفني العالمي كصاحبة رؤية، لا كزينة في الهامش.

وهكذا، يظل الفن مرآة تكشف تطوّر مكانة المرأة عبر التاريخ، بدايةً من رمزيتها كحياة، مرورًا بحضورها كموضوع للجمال، وصولًا إليها كصوت فاعل يقف في قلب الحركة الفنية ويصوغ رؤيته الخاصة للعالم.

فهنَّ لسن مجرّد حضورٍ جمالي، بل طاقة قادرة على صياغة الخيال، وإعادة ترتيب الحكايات، وإضفاء الروح على الجمادات. وقد استطعن أن يمنحن الفنَّ بُعده الإنساني، ويفتحن به أبواب الدهشة والتأمّل. خُلقن ليحملن الحياة بكل تناقضاتها ؛ الجمال والقوة، التحدّي والحنان، المتعة والبحث، الحب والافتتان، السلام والحلم. ومن هنا يصبح الفن بالنسبة لهنَّ مساحةً للوجود والتعبير، لا يُمارس من أجل إثبات الحضور، وإنما لترك أثرٍ وبصمةٍ حرّة.