الإثنين 23 فبراير 2026 03:13 مـ 6 رمضان 1447 هـ
بوابة النور الاخبارية
رئيس التحرير محمد حلمي
×

حين يصوم الحرف

الإثنين 23 فبراير 2026 11:04 صـ 6 رمضان 1447 هـ
حين يصوم الحرف

في مواسم بعينها لا يتبدّل التقويم فحسب بل تتبدّل خرائط الداخل
يأتي رمضان كزائرٍ لا يكتفي بأن يغيّر عاداتنا اليومية بل يعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا وبالزمن وبالكلمة تتباطأ الحركة قليلًا يهدأ الإيقاع وتصبح المسافة بين الإنسان وروحه أقصر من المعتاد وفي هذا المناخ المشبع بالسكينة لا يمكن للأدب أن يبقى على حاله فالكلمة كائن حساس يتأثر بما يدور في أعماق صاحبها
الأدب في جوهره فعل إنساني قبل أن يكون صناعة لغوية هو محاولة لفهم العالم لكنه في العمق محاولة لفهم الذات والذات في رمضان تخضع لتجربة مختلفة تجربة الامتناع والمراجعة والمحاسبة الصيام ليس فقط انقطاعًا عن الطعام بل انقطاعًا عن الفائض : فائض الكلام وفائض الغضب وفائض الرغبات إنه تدريب يومي على الاقتصاد في الانفعال وعلى مراقبة النفس وهي تتحرك
وهنا تتقاطع الطريقان : طريق الروح وطريق الكتابة
فالكاتب الحقيقي لا يكتب من سطح التجربة بل من عمقها وكلما تعمّقت التجربة الإنسانية ازدادت اللغة صدقًا ونقاءً في رمضان يصبح الإنسان أكثر وعيًا بصوته الداخلي يسمع همسه بوضوح ويرى عيوبه دون تبرير ويشعر بثقل كلماته قبل أن ينطقها وهذا الوعي ذاته هو ما يحتاجه الأدب الرفيع
ليس غريبًا أن ترتبط كثير من النصوص الخالدة بحالات روحية عميقة فكتابات مصطفى صادق الرافعي لم تكن مجرد استعراض بلاغي بل كانت امتزاجًا بين اللغة والخشوع بين الفكر والوجدان وكذلك تأملات جبران خليل جبران التي تجاوزت حدود الطائفة والزمان لأن منبعها كان إنسانيًا خالصًا متصلًا بأسئلة الروح الكبرى
لكن العلاقة بين رمضان والأدب لا تعني أن الكاتب مطالب بأن يكتب نصوصًا وعظية أو مباشرة الروحانية لا تُقاس بموضوع النص بل بصفائه قد يكتب الأديب قصة اجتماعية أو مقالة نقدية ومع ذلك تكون مشبعة بروح مختلفة روح أقل قسوة وأكثر عدلًا وأقرب إلى الإنصات من الإتهام
في أيام الصيام يختبر الإنسان هشاشته بوضوح يشعر بضعفه بحاجته بحدوده وهذه الهشاشة ليست نقصًا بل هي بوابة للصدق فالكتابة التي تنبع من إنسان يعترف بضعفه أصدق من تلك التي تتكئ على ادعاء الكمال ورمضان يمنح الكاتب فرصة نادرة للاعتراف الصامت اعتراف لا يُنشر بالضرورة لكنه ينعكس في نبرة الجملة وفي اختيار المفردة وفي المسافة التي يضعها بينه وبين الحكم على الآخرين
ثم إن الليل الرمضاني بسكونه الممتد، يمنح الأدب مساحة زمنية مختلفة. لحظات ما بعد الإفطار أو قبيل السحور تحمل طابعًا تأمليًا خاصًا حيث يهدأ الجسد وتستيقظ الفكرة في هذا السكون تتحول الكتابة إلى نوع من الخلوة يجلس الكاتب مع نفسه لا ليملأ صفحة بيضاء بل ليملأ فراغًا داخليًا أو ليصالح فكرةً ظلت عالقة في صدره
إن الصوم يعلّم الصبر والكتابة أيضًا تحتاج إلى صبر يعلّم الصوم ضبط اللسان واللغة بدورها تحتاج إلى انضباط يعلّم الصوم أن القيمة ليست في الكثرة بل في المعنى وكذلك الأدب ليس في عدد الصفحات بل في أثرها
وقد يكون أجمل ما يقدمه رمضان للأديب أنه يعيد تعريف النجاح لديه بعيدًا عن الأضواء والتفاعل السريع يتذكر الكاتب أن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون شهرة وأن النص قد يكون شاهدًا عليه لا له في لحظة صفاء حقيقية يدرك أن الكتابة ليست وسيلة لإثبات الذات فحسب بل وسيلة لتهذيبها
إن العلاقة بين الروحانية والأدب علاقة عميقة لا تُختصر في مناسبة زمنية لكنها في رمضان تتجلى بوضوح أكبر يصبح القلم أكثر حذرًا وأكثر رحمة وأكثر وعيًا بوزن الحرف وكأن الصيام لا يقتصر على الجسد بل يمتد إلى اللغة ذاتها فتصوم عن الإسفاف وعن الظلم وعن القسوة غير المبررة
وحين ينتهي الشهر قد يعود إيقاع الحياة إلى سرعته المعتادة لكن أثر التجربة يبقى يبقى ذلك الصفاء الذي لمس القلب يومًا وتلك اللحظة التي شعر فيها الكاتب أن كلمته خرجت أخف مما اعتاد وأصدق مما توقع وربما يدرك عندها أن الأدب في أسمى صوره ليس بعيدًا عن العبادة فكلاهما سعيٌ نحو معنى أعمق ونحو إنسانٍ أكثر نقاءً … وحينها فقط يمكن القول إن الحرف قد صام فتهذّب ثم نطق بالحقيقة