الضمير في إجازة.. حين يتحول النفاق إلى لغة للنجاة
في زمنٍ لم تعد فيه الحقيقة شرطًا للنجاة ولم يعد الصدق طريقًا مضمونًا للنجاح أخذت ملامح الحياة الاجتماعية في التحول إلى مساحات رمادية تتراجع فيها القيم أمام المصالح وتبهت فيها الأصوات الصادقة لصالح خطاباتٍ مصقولة تخفي أكثر مما تُظهر لم يعد السؤال الأهم : هل هذا صواب؟ بل أصبح : هل هذا نافع ؟ وهنا تحديدًا يدخل الضمير في إجازة مفتوحة تاركًا الساحة لنوعٍ جديد من السلوك الإنساني يتقن فيه البعض فنّ الظهور بوجهٍ غير الوجه وقول ما لا يؤمنون به تحت لافتة ( الضرورة ) أو ( الواقعية )
لم يعد النفاق مجرد سلوك فردي معزول بل أصبح في كثير من السياقات آلية اجتماعية ضمنية تُدار بها العلاقات وتُبنى عليها المصالح ويُعاد من خلالها تشكيل مفاهيم القبول والرفض داخل المجتمع وهذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الاجتماعي والثقافي الذي أفرزه وهو ما تؤكده دراسات علم الاجتماع التي ترى أن السلوك الفردي غالبًا ما يكون انعكاسًا لمنظومة قيم أوسع تتشكل عبر الزمن وتُعاد إنتاجها داخل البنية الاجتماعية
النفاق في صورته المعاصرة لم يعد مقصورًا على إظهار الإيمان وإبطان الكفر كما في تعريفاته الكلاسيكية بل اتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا ومرونة إنه يظهر في المجاملة الزائفة وفي تبديل المواقف وفقًا للمصلحة وفي الصمت المتواطئ أمام الخطأ بل وفي الدفاع عن ما نعلم يقينًا أنه غير عادل إننا أمام حالة من الازدواجية حيث ينفصل القول عن الفعل ويتباعد الداخل عن الخارج حتى يصبح التناقض سمة مألوفة لا تثير الدهشة
ولعل أخطر ما في هذا التحول هو أنه لم يعد يُنظر إلى النفاق باعتباره سلوكًا مذمومًا بل أصبح في بعض البيئات مهارة اجتماعية أو وسيلة ذكية للتكيّف مع الواقع وهنا تبرز الإشكالية الأخلاقية الكبرى : هل يمكن أن يتحول الانحراف إلى قاعدة ؟ وهل يمكن أن يصبح التخلّي عن القيم شرطًا للنجاة ؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد من التوقف أمام الأسباب التي تدفع الأفراد إلى هذا النمط من السلوك في مقدمة هذه الأسباب يأتي الخوف : الخوف من الخسارة من التهميش من فقدان الفرص حين يشعر الإنسان أن الصدق قد يكلّفه موقعًا أو أن الصراحة قد تضعه في مواجهة غير محسوبة فإنه يميل تحت ضغط الواقع إلى تبنّي خطاب مزدوج يحفظ له مكانه وإن كلّفه شيئًا من ذاته
إلى جانب الخوف هناك عامل الطموح غير المنضبط ذلك الذي يجعل الغاية تبرر الوسيلة ويحوّل النجاح إلى قيمة مطلقة بغض النظر عن الطريق المؤدي إليه في مثل هذه الحالة يصبح النفاق أداة لا خيارًا ويغدو التلون سلوكًا وظيفيًا لا انحرافًا أخلاقيًا
ولا يمكن إغفال دور البيئة الاجتماعية في تكريس هذا النمط فحين يرى الفرد أن النماذج الناجحة من حوله قد وصلت عبر المجاملة أو التملق وأن الصادقين غالبًا ما يُدفعون إلى الهامش فإنه يتعلم بشكل غير مباشر أن الوجه الحقيقي ليس دائمًا هو الأفضل للعرض وهنا يتحول النفاق من سلوك فردي إلى ثقافة عامة يُعاد إنتاجها عبر المواقف اليومية وتُغذّيها التجارب المتكررة
في مواجهة هذا الواقع يبرز دور الأدب بوصفه أحد أهم أدوات الوعي الإنساني فالأدب منذ نشأته لم يكن مجرد وسيلة للترفيه بل كان كما يرى منظّرو النقد الأدبي مرآة تعكس تناقضات الإنسان وتكشف ما يختبئ خلف السلوك الظاهر من دوافع وصراعات ومن خلال هذه المرآة يستطيع القارئ أن يرى ذاته في الآخرين وأن يكتشف مناطق الخلل التي قد لا ينتبه إليها في حياته اليومية
لقد قدّم نجيب محفوظ في كثير من أعماله نماذج إنسانية تعيش هذا الصراع بين المبدأ والمصلحة بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن بالفعل شخصياته لم تكن مثالية بل كانت واقعية إلى حد الألم تكشف هشاشة الإنسان حين يُوضع تحت ضغط المجتمع وتُظهر كيف يمكن للقيم أن تتآكل تدريجيًا دون أن يشعر صاحبها
وعلى نحوٍ مشابه تناول توفيق الحكيم الصراع الأخلاقي من زاوية فلسفية حيث طرح تساؤلات عميقة حول الحقيقة والعدالة وحول قدرة الإنسان على التمسك بمبادئه في عالمٍ متغير في مسرحياته لا نجد إجابات جاهزة بل نجد أسئلة مفتوحة تدفع القارئ إلى التفكير لا إلى التسليم
أما يوسف إدريس فقد اقترب أكثر من الواقع اليومي مقدّمًا شخصيات بسيطة تعيش تناقضاتها بصمت وتمارس نوعًا من النفاق الصغير الذي يبدو عاديًا لكنه في تراكمه يصنع واقعًا مشوّهًا وهنا تكمن خطورة الظاهرة في اعتيادها لا في حدّتها
إن الأدب في هذا السياق لا يكتفي بوصف النفاق بل يفضحه إنه يجرّده من مبرراته ويعيد طرحه في سياق أخلاقي يضع القارئ أمام مسؤوليته فحين يقرأ الإنسان قصة يرى فيها نفسه أو يواجه فيها سلوكًا يشبه ما يمارسه فإنه يُجبر ولو للحظة على إعادة النظر على مساءلة ذاته على استعادة صوته الداخلي الذي حاول تجاهله
ومن هنا يمكن القول إن الأدب يؤدي دور الضمير البديل في المجتمعات التي يتراجع فيها الصوت الأخلاقي إنه لا يفرض ولا يُملي لكنه يُذكّر يُذكّر بأن وراء كل مصلحة ثمنًا وأن كل تنازل even وإن بدا بسيطًا يترك أثرًا في الداخل قد لا يُمحى بسهولة
غير أن السؤال الذي يظل قائمًا : هل يكفي الأدب وحده لمواجهة هذه الظاهرة ؟
الإجابة بطبيعة الحال ليست بسيطة فالأدب لا يعمل في فراغ بل يتأثر ويؤثر في منظومة أوسع من التعليم، والإعلام والثقافة العامة لكنه، رغم ذلك يظل أداة أساسية في تشكيل الوعي وفي إعادة الاعتبار للقيم التي تتعرض للتآكل
إن المجتمعات لا تنهار فجأة بل تتآكل تدريجيًا حين يُصبح الكذب مقبولًا والنفاق مبررًا والصدق عبئًا وحين يصل الأمر إلى هذه المرحلة لا يكون الخطر في السلوك ذاته بل في تحوّله إلى معيار وهنا يصبح الصادق غريبًا والمنافق ناجحًا ويختل الميزان
وفي خضم هذا الاختلال يبقى السؤال الأخلاقي حاضرًا وإن حاول البعض تجاهله : ماذا يبقى من الإنسان حين يتخلى عن ذاته؟ وما قيمة النجاح إن كان ثمنه فقدان الاحترام الداخلي؟
قد ينجح النفاق في تحقيق مكاسب سريعة وقد يفتح أبوابًا مغلقة لكنه في المقابل يُغلق بابًا أكثر أهمية باب السلام الداخلي فالإنسان مهما أتقن تمثيل الأدوار لا يستطيع أن يهرب من نفسه إلى الأبد وفي لحظة ما سيجد نفسه أمام حقيقة لا يمكن تزييفها أنه خسر شيئًا لا يُعوّض
إن استعادة الضمير لا تبدأ بخطابات كبيرة بل بخيارات صغيرة كلمة صادقة في موقف صعب رفض هادئ لما لا نؤمن به تمسّك بقيمة even إن كلّفنا ذلك بعض الخسارة فالقيم في نهاية المطاف لا تُختبر في الأوقات السهلة بل في اللحظات التي يكون فيها التنازل مغريًا
وهنا يعود الأدب ليؤدي دوره لا كمنقذ بل كمرشد يضيء الطريق ولا يفرض السير فيه يطرح الأسئلة ولا يدّعي امتلاك الإجابات لكنه في كل الأحوال يظل شاهدًا على الحقيقة حتى في زمنٍ تُكافأ فيه الأقنعة
وفي زمنٍ كهذا ربما لا يكون السؤال
: لماذا ينافق الناس؟
بل : هل ما زال للصدق مكان … أم أننا أصبحنا نتقن العيش بوجهين.
