تطور صورة البطل الشعبي في الأدب العربي : من السيرة الشعبية إلى الرواية الحديثة
لم يكن البطل الشعبي في الأدب العربي مجرد شخصية خيالية تتحرك بين صفحات الكتب بل كان ضميرًا للجماعة وصورةً لأحلامها وآلامها فعندما تضيق الحياة بالناس ويشتد الظلم وتتعثر القدرة على التغيير تتجه المخيلة إلى صناعة بطل يحمل عبء الخوف عن الآخرين ويعيد إليهم الإحساس بالعزة والقدرة على المقاومة ولهذا ارتبطت صورة البطل الشعبي منذ القدم بمعاني الكرامة والعدل والوفاء وأصبحت جزءًا من الذاكرة الثقافية التي تناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل
وقد تجلت هذه الصورة بوضوح في السير الشعبية التي شكّلت أحد أهم روافد الأدب العربي ففي سيرة عنترة بن شداد نرى فارسًا جمع بين الشجاعة والحب والوفاء واستطاع أن يتجاوز قيود النسب واللون ليصنع مجده بنفسه وفي السيرة الهلالية يبرز أبو زيد الهلالي قائدًا حكيمًا لا يعتمد على السيف وحده بل يمتلك دهاءً وبصيرةً وقدرةً على قيادة الجماعة في أوقات المحن أما الزير سالم فيمثل صورة البطل الذي تدفعه قيم الثأر والكرامة إلى خوض صراع طويل دفاعًا عن شرف القبيلة ولم تكن هذه الشخصيات أفرادًا معزولين بل كانت تمثل الجماعة كلها وتحمل آمالها في استعادة المجد والانتصار على الهزيمة
وقد عبّر عنترة بن شداد عن روح هذه البطولة في قوله
( لا تَسقِني ماءَ الحياةِ بذِلَّةٍبل فاسقِني بالعِزِّ كأسَ الحنظلِ )
( ديوان عنترة بن شداد )
يكشف هذا البيت أن البطولة في الوعي العربي القديم لم تكن قوةً جسدية فحسب بل كانت رفضًا للمذلة وتمسكًا بالكرامة مهما كان الثمن ومن هنا اكتسب البطل الشعبي مكانته الاستثنائية لأنه جسّد القيم التي كان الناس يتمنون أن تتحقق في واقعهم
غير أن البطولة في التراث العربي لم تقم على الشجاعة وحدها بل ارتبطت أيضًا بالحكمة وحسن التدبير وقد أشار ابن خلدون في كتابه المقدمة إلى أن أحوال البشر والعمران تتبدل بتبدل الأزمنة والدول وأن الإنسان يتأثر بمجتمعه وبيئته ومن هذا المنطلق يمكن فهم التحول الذي أصاب صورة البطل الشعبي إذ إن تغير المجتمع يؤدي بالضرورة إلى تغير صورة بطله لأن الأدب ابن عصره يعكس همومه ويعبّر عن تطلعاته
وفي هذا السياق تبرز حكمة المتنبي حين يقول
( وإذا كانت النفوسُ كبارًاتعبتْ في مرادِها الأجسامُ )
( ديوان المتنبي )
فهذه الكلمات تنقل البطولة من حدود الجسد إلى رحابة الإرادة فالعظمة الحقيقية تسكن النفس قبل أن تسكن السيف ولهذا ظل هذا البيت معبّرًا عن جوهر البطولة الإنسانية التي تقوم على الطموح والصبر وقوة العزيمة
ومع انتقال العرب إلى العصر الحديث وما شهده من استعمار وصراعات سياسية وتحولات اجتماعية عميقة بدأت صورة الفارس الأسطوري تتراجع تدريجيًا فلم يعد الناس ينتظرون بطلًا خارقًا يحسم المعارك وحده بل صاروا يبحثون عن إنسان يشبههم يخطئ ويصيب يخاف ويقاوم ويسقط ثم ينهض من جديد وهنا انتقلت البطولة من المجال الأسطوري إلى المجال الإنساني وأصبح البطل يحمل التناقضات والهواجس والأسئلة التي يعيشها المجتمع كله
وقد وجدت هذه الرؤية الجديدة تعبيرها الأوضح في الرواية العربية الحديثة ولا سيما في أعمال نجيب محفوظ ففي ( الثلاثية ) لا تظهر البطولة في صورة فارس لا يُهزم بل في شخصيات تكافح تقلبات الزمن وتصارع التغيرات الاجتماعية وتحاول الحفاظ على تماسك الأسرة وسط عالم متحول وفي ( زقاق المدق ) يصبح الحي الشعبي نفسه بطلًا جماعيًا تتشابك داخله مصائر الناس وأحلامهم وآلامهم تحت وطأة الفقر والاحتلال أما ( اللص والكلاب ) فتقدّم صورة أكثر تعقيدًا إذ يتحول سعيد مهران إلى شخصية مأزومة تصارع المجتمع وتصارع ذاتها في الوقت نفسه فيكشف محفوظ أن الإنسان قد يكون بطلًا في مقاومته وسعيه إلى العدالة حتى وإن انتهى إلى الهزيمة
إن هذا التحول يمثل نضجًا في الرؤية الأدبية لأن البطولة الحقيقية ليست غياب الضعف وإنما القدرة على مواجهته فالبطل الحديث لا يملك دائمًا سيفًا أو جيشًا لكنه يمتلك ضميرًا حيًا وإرادةً لا تستسلم وهو يقاوم الجهل بالعلم والفساد بالنزاه واليأس بالأمل والتعصب بالتسامح لقد تبدلت أدوات البطولة لكن رسالته بقيت واحدة : الدفاع عن الإنسان وحماية كرامته
وعندما نتأمل مسيرة البطل الشعبي في الأدب العربي نجد أن هذه الشخصية كانت دائمًا مرآةً لتحولات المجتمع ففي زمن القبيلة والحروب ظهر البطل الفارس الذي يحمل السيف ويحمي الجماعة وفي زمن النهضة ومقاومة الاستبداد برز بطل الفكر والإصلاح ثم جاءت الرواية الحديثة لتمنح البطولة وجهًا إنسانيًا أقرب إلى الواقع حيث أصبح الإنسان العادي بما يحمله من خوف وأمل وانكسار جديرًا بأن يكون بطل الحكاية
وفي النهاية يمكن القول إن البطل الشعبي لم يختفِ من الأدب العربي وإنما غيّر ملامحه فقد انتقل من صورة الفارس الذي يهزم خصومه بقوة ذراعه إلى صورة الإنسان الذي ينتصر على الخوف واليأس بصدق إيمانه وصلابة مبادئه ولهذا سيظل الأدب العربي يبحث دائمًا عن بطله ذلك الإنسان الذي ينهض عندما يتعب الجميع ويتمسك بالحق عندما يتخلى عنه الآخرون ويجعل من حياته رسالةً تمنح الناس الأمل في زمن تشتد فيه العواصف.

